بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٥٥ - النصوص الواردة في تمييز الحاضر عن النائي
هذا وأما رواية زرارة فهي مما يشكل استفادة شيء منها بشأن المسافة بين عسفان وذات عرق وبين مكة المكرمة لاختلاف مفادها في ذلك حسب اختلاف صورها الثلاث.
١ ــ أما الصورة الأولى المروية بطريق صحيح فهي تحتمل وجهين ..
أحدهما: أن يكون عسفان وذات عرق على مسافة (٤٨) ميلاً تحقيقاً، بأن يكون قوله ٧ : ((ذات عرق وعسفان)) بدلاً عن قوله ٧ : ((ثمانية وأربعين ميلاً)).
ثانيهما: أن يكونا على مسافة أقل من ذلك، بأن يكون قوله ٧ : ((ذات عرق وعسفان)) بدلاً عن قوله ٧ : ((دون ثمانية وأربعين)) ميلاً.
وأما ما أفاده السيد الحكيم (قدس سره) من الإشكال في الوجه الأول ــ من أنه يكون عندئذٍ من قبيل التفسير بالأخفى ــ فلم يظهر وجهه، فإن كلاً من عسفان وذات عرق كان اسماً لمكان معروف في ذلك الزمان، في حين أن كون المسافة بمقدار (٤٨) ميلاً مما لم يكن يسهل التحقق منه لمعظم الناس آنذاك لعدم توفر المقاييس المناسبة، فكيف يكون ذكر ذات عرق وعسفان تمثيلاً لمسافة (٤٨) ميلاً من التفسير بالأخفى.
وأما ما ذكره (قدس سره) من الإشكال على الوجه الثاني من أنهم ذكروا: أن ذات عرق وعسفان يبعدان عن مكة بمرحلتين فقد ظهر الجواب عنه مما سبق، وهو أن هذا ما ذكره بعضهم وذكر بعض آخر غير ذلك فلا مجال للاعتماد على كلام البعض الأول.
وأما ما ذكره بعض الأعلام (طاب ثراه) من أن كلمة (دون) في الرواية بمعنى: (عند) فيتعيّن كون ذات عرق وعسفان تمثيلاً لمسافة (٤٨) ميلاً فهو أيضاً مما لا يمكن المساعدة عليه، إذ لم يثبت مجيء دون بمعنى (عند) وإن حكاه بعض اللغويين [١] عن الفرّاء، مع أنه لو ثبت فإنما يكون ذلك مع القرينة وهي مفقودة في المقام.
[١] تهذيب اللغة ج:١٤ ص:١٢٧.