بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣١٨ - مقتضى الأصل العملي في مورد دوران الأمر بين التعيين والتخيير في مكان الإحرام
فإن بُني على جريان أصالة البراءة جاز للمكلف أن يؤخر الإحرام إلى أدنى الحِلِّ، وإن بُني على جريان أصالة الاحتياط لزمه أن يُحرم من أحد المواقيت أو مما يحاذيه.
ولكن يمكن أن يلاحظ على هذا الوجه بأنه بناءً على جريان البراءة في دوران الأمر بين التعيين والتخيير ــ كما هو مختار السيد الأستاذ (قدس سره) ــ فإنه إنما يتم ما أفاده في المقام بالنسبة إلى الوجوب التكليفي للإحرام أي بما هو جزء من العمرة، وأما وجوبه الشرطي الثابت بمقتضى ما دلَّ على عدم جواز دخول مكة إلا محرماً كما ورد في صحيح محمد بن مسلم وغيره ــ كما سيأتي ــ فيمكن أن يقال: إنه إنما يرجع فيه إلى أصل آخر هو أصالة عدم تحقق العنوان المأخوذ في عقد المستثنى من صحيح محمد بن مسلم ونحوه مع الشك في انعقاد الإحرام بالتلبية في غير الميقات أو ما يحاذيه.
وبتعبير آخر: إن من وجب عليه أداء العمرة المفردة إذا سلك طريقاً لا يمرّ بالميقات ولا بمحاذيه حتى وصل إلى أدنى الحل فأحرم منه يشك لا محالة في كونه متلبساً بالإحرام لها، ومن الواضح أن أصالة البراءة عن وجوب الإحرام من الميقات أو ما يحاذيه لا تثبت انعقاد الإحرام من أدنى الحلّ، ومقتضى الأصل العدم. فالمرجع هو إطلاق عقد المستثنى منه في صحيح محمد بن مسلم ونحوه، ومقتضاه عدم جواز الدخول في مكة المكرمة بالإحرام المذكور.
اللهم إلا أن يدعى أن المراد بالمحرم في عقد المستثنى هو الأعم من المحرم بحسب الحكم الظاهري أي بالإحرام الذي يُجتزأ به ظاهراً في سقوط التكليف بأداء العمرة، فإذا جرى أصل البراءة عن اعتبار كون الإحرام للعمرة المفردة من المواقيت أو مما يحاذيها فأحرم من أدنى الحِلِّ جاز له الدخول في مكة أيضاً، فليتأمل.
الوجه الثاني: ما بنى عليه بعض الأعلام (طاب ثراه) [١] في نظير المقام من اندراج المورد في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في موضوع الحكم الشرعي،
[١] المرتقى إلى الفقه الأرقى (كتاب الحج) ج:٢ ص:٢٤٥.