بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٨٢ - الوجوه التي استدل بها على عدم وجوب العمرة المفردة على النائي إذا استطاع لها ولم يستطع لحج التمتع
النصوص المذكورة إلا أن هناك دليلاً على عدم الوجوب لا محيص من تقديمه على أي دليل يقتضي الوجوب حتى لو كان وارداً في خصوص المقام، وذلك الدليل هو السيرة العملية القطعية من المتشرعة المتصلة بزمن المعصومين : فإنها قائمة على عدم وجوب العمرة المفردة مستقلاً على من فرضه هو التمتع في حجة الإسلام، فلو استطاع لها في شهر رجب ــ مثلاً ــ ولم يكن مستطيعاً للحج لم يكن بناء المتشرعة على وجوب الخروج إليها، كما أن النائب لم يكن يلتزم بالإتيان بها بعد الفراغ عن أعمال الحج مع قدرته عليها غالباً.
أضف إلى ذلك كله أن الوجوب لو كان ثابتاً في مثل هذه المسألة كثيرة الدوران التي هي محل الابتلاء غالباً لاشتهر وبان وشاع وذاع، بل أصبح من أوضح الواضحات، كنفس الحج الذي يعدُّ تاركه في سلك الكافرين، فكيف ذهب المشهور إلى خلافه بل قامت السيرة على عدمه حسب ما عرفت؟!.
أقول: قد اعتمد السيد الأستاذ (قدس سره) على مثل هذا الوجه في موارد كثيرة في الفقه دليلاً على نفي الحكم الإلزامي من الوجوب أو غيره في المسائل الابتلائية، وقد سماه أحياناً بالدليل الخامس [١] في مقابل الأدلة الأربعة المعروفة. وأساسه أنه متى كانت مسألة ما عامة البلوى وكثيرة الدوران بين الناس في كل عصر وزمان فمن المؤكد أنه لو ثبت فيها حكم شرعي إلزامي لتمثل أولاً في فتاوى الفقهاء وثانياً في سيرة المتشرعة، أي لا يمكن عادة أن يثبت الوجوب مثلاً في مسألة ابتلائية للناس في مختلف العصور إلى عصر الأئمة المعصومين : وينحصر المفتي به في فقيه أو فقيهين وتكون سيرة المتشرعة قائمة على خلافه.
ولا بأس بالإشارة إلى بعض الموارد التي استند فيها (قدس سره) إلى الوجه المذكور ..
المورد الأول: وجوب صلاة الجمعة تعييناً [٢] ، فإنه استند في نفيه ــ بالرغم من اعترافه بأن الكثير من الروايات تدل عليه ــ إلى أن هذه المسألة كثيرة الدوران
[١] مستند العروة الوثقى (كتاب الصلاة) ج:٨ ص:٩٧.
[٢] لاحظ تنقيح العروة الوثقى (كتاب الصلاة) ج:١ ص:٢٦.