بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٤٦ - هل يختص الحكم بعدم جواز الإتيان بعمرتين في شهر واحد بالعمرة المفردة أو يعم عمرة التمتع أيضاً؟
رجع في إبان الحج في أشهر الحج يريد الحج أيدخلها محرماً أو بغير إحرام؟ فقال: ((إن رجع في شهره دخل بغير إحرام، وإن دخل في غير الشهر دخل محرماً)). قلت: فأي الإحرامين والمتعتين متعته الأولى أو الأخيرة؟ قال: ((الأخيرة وهي عمرته وهي المحتبس بها التي وصلت بحجه)).
وبالجملة دلالة موثقة إسحاق بن عمار على شمول قوله ٧ : ((لكل شهر عمرة)) لعمرة التمتع كالعمرة المفردة تامة حتى على الاحتمال الثاني في مفادها وإن كان الاحتمال الأول هو الأرجح بل المتعيّن كما مرّ قريباً.
وكيفما كان فمقتضى الصناعة ــ وفق ما تقدم ــ أن لا يجوز لمن أتى بعمرة تمتعه في ذي الحجة أن يأتي بعمرة مفردة بعد الحج قبل دخول شهر المحرم.
ولكن قد يقال [١] : (إن في المقام حديثاً رواه أبو الجارود عن أحدهما ٨ قال: سألته عن العمرة بعد الحج في ذي الحجة. قال: ((حسن)). والحديث يدل بالصراحة على جواز الإتيان بالعمرة بعد الحج، والظاهر أنه أخص من حديث إسحاق بن عمار إذ حديث أبي الجارود وارد في خصوص الإتيان بالعمرة بعد الحج.
وبعبارة واضحة: إن حديث أبي الجارود دال على الجواز في فرض خاص وحديث إسحاق أعم من هذه الجهة فتكون النتيجة أن الإتيان بعمرتين في شهر واحد غير جائز إلا في هذه الصورة الخاصة، فلاحظ واغتنم).
أقول: إنه لو كان مورد حديث أبي الجارود هو خصوص الحاج المتمتع الذي أحرم لعمرة تمتعه في شهر ذي الحجة لكان لما ذكر مجال ولكن من الواضح أن مورده أعم من ذلك [٢] . وعليه يمكن أن يقال: إنه لو بني على أن مفاد قوله ٧ :
[١] مصباح الناسك في شرح المناسك ج:١ ص:٢١٧ (النسخة الثانية).
[٢] بل قد يقال: إن موردها هو خصوص المفرد للحج الذي يلزمه الإتيان بالعمرة المفردة بعده، وعلى ذلك فهي نظير صحيحة معاوية بن عمار المروية في الفقيه (ج:٢ ص:٢٧٤) ولا تعلق لها بمورد البحث.
ولكن هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه، فإن ورود صحيحة معاوية في المفرد لا يقتضي اختصاص هذه الرواية ــ ومثلها رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله الآتية ــ بالمفرد أيضاً.
وبعبارة أخرى: لا توجد قرينة على أن السؤال عن الإتيان بالعمرة المفردة في شهر ذي الحجة بعد الحج كان بحسب الجو الفقهي مختصاً بما إذا كان الحج حج إفراد، نعم هو وقع مورداً لسؤال بعض الرواة ولعله من جهة أنه كان موضع ابتلاء من يهمه أمره.
هذا ولا يبعد أن يكون منشأ السؤال المذكور هو احتمال أن لا يجوز الجمع بين النُسكين الحج والعمرة المفردة في شهر واحد كما لا يجوز الجمع بين عمرتين في شهر واحد، وعلى ذلك فلا إطلاق لرواية أبي الجارود ونحوها للحاج المتمتع الذي أتى بعمرة تمتعه في شهر ذي الحجة، فتأمل.