بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١١٠ - البحث عن مفاد النصوص الدالة على أن لكل شهر عمرة
عن ظهور النصوص المذكورة في لزوم الانتظار إلى دخول الشهر اللاحق وعدم كون الأمر متروكاً للمكلف ليجوز له الإتيان بالعمرة المعادة في الشهر نفسه.
إن قيل: يحتمل أن يكون لزوم الانتظار إلى حين دخول الشهر الجديد أمراً تعبدياً لا علاقة له بعدم مشروعية الإتيان بعمرتين في شهر واحد، وقد ورد نظيره في من فاته التمتع، ففي صحيح زرارة [١] قال: سألت أبا جعفر ٧ عن الرجل يكون في يوم عرفة وبينه وبين مكة ثلاثة أميال وهو متمتع بالعمرة إلى الحج. فقال: ((يقطع التلبية تلبية المتعة، ويهلُّ بالحج بالتلبية إذا صلى الفجر، ويمضي إلى عرفات فيقف مع الناس، ويقضي جميع المناسك، ويقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم ولا شيء عليه)).
والشاهد في قوله ٧ : ((ويقيم بمكة حتى يعتمر عمرة المحرم)) فإن من الظاهر أنه مبني على التعبد الصرف، إذ المفروض عدم إدراك المتمتع المذكور لعمرة التمتع في شهر ذي الحجة وعدوله إلى حج الإفراد، فليس في إتيانه بالعمرة المفردة في شهر ذي الحجة نفسه جمعاً بين عمرتين في شهر واحد ومع ذلك أمره الإمام ٧ بالانتظار إلى حين حلول شهر المحرم للإتيان فيه بالعمرة المفردة، فلِمَ لا يكون الحكم في من أفسد عمرته المفردة بالجماع قبل السعي كذلك؟!
بل يُحتمل فيه ما لا يُحتمل في المورد المذكور وهو أن يكون الأمر بالانتظار مبنياً على ضرب من العقوبة والتأديب، ويؤيده أمر الإمام ٧ إياه بالخروج إلى ميقات أهل بلده أو إلى بعض المواقيت للإحرام منه للعمرة المعادة مع أنه لا موجب له في حدِّ ذاته، فإنه لا إشكال في أنه يجوز لمن هو في مكة المكرمة أن يُحرم للعمرة المفردة من أدنى الحِل.
قلت: أما الأمر بالانتظار إلى شهر المحرم في صحيح زرارة فهو محمول على الاستحباب، بقرينة ما دلَّ على أن للمفرد أن يأتي بالعمرة المفردة في شهر ذي الحجة نفسه، فلا يقاس بالأمر بالانتظار في مورد الكلام الذي لا قرينة على رفع اليد عن ظهوره في الوجوب كما تقدم.
[١] تهذيب الأحكام ج:٥ ص:١٧٤.