مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - الآملي، الشيخ محمد تقى - الصفحة ١٧٨ - مسألة(٢٦) إذا نذر المشي في حجه الواجب عليه أو المستحب
المشي علة لفوات ذلك العنوان و أحال ذلك الى ما استظهره من الاخبار الدالة على رجحان الركوب (و الاولى ان يقال) انه قد تقدم في الأمر الثاني ان الجهات المرجحة للركوب مختلفه فبعضها لمجرد كون الركوب سببا" للوصول إلى مكة قبل المشاة و الاشتغال بالطواف و الصلاة، و من الواضح ان هذا لا يوجب ذهاب رجحان المشي رأسا" مع ما فيه من التذلل لله و الخضوع له سبحانه و كذا كون جهة الترجيح للركوب كون المشي موجبا" لحصول الضعف عن الدعاء و إكثار الصلاة و الطواف في مكة فإنه لا يرتفع بذلك كون المشي في نفسه عباده لله و تذللا له سبحانه (و بعضها) موجب لطرو عنوان مرجوح للمشي مثل كونه اهانه و ذلة عند الناس سيما لمواليهم عليهم السلام و اتهام الناس لهم بالبخل و احتقارهم إياهم بالفقر و المسكنة، و هذا يوجب مرجوحية المشي بحيث لا يصح تعلق النذر به، و ذلك لغلبة العنوان المذموم على الرجحان الذاتي، فالتواضع لله بعمل إذا كان فيه مهانة للمؤمن عند الناس مذموم لا يرضى به الله و لا أوليائه عليهم السلام، و كذا لو كان لأجل الإمساك عن الإنفاق فإن ذلك أيضا" مذموم في الشرعية سيما في طريق الحج حيث ورد فيه الحث و الترغيب على الإنفاق.
ثم ان لنية الناذر دخلا في صحة نذره فإذا كان من نية الناذر الخشوع لله بالمشي إلى بيته كان هذا المشي راجحا عند الله سبحانه و النذر صحيحا" بخلاف ما إذا نذر المشي لصحة الجسم أو للنزهة مثلا (و بالجملة) يختلف نذر المشي باختلاف الموارد و باختلاف النيات، فلا بد من التفصيل في المسألة، و الله العالم.
(الأمر الرابع) إذا نذر الحج ماشيا بان كان الحج مع قيده الذي هو المشي متعلقا للنذر، و بعبارة أخرى: تعلق النذر بالحج المخصوص لا الحج مطلقا كنذر الصلاة في المسجد أو الصوم في يوم معين، و هذه هي الصورة الثانية التي قد تقدمت الإشارة إليها، و لا إشكال في انعقاده و وجوب الحج عليه ماشيا" و حكى في المعتبر اتفاق العلماء عليه، و في الجواهر ان الإجماع بقسميه عليه، و يدل عليه مضافا" الى عمومات وجوب الوفاء بالنذر بعد كون متعلقة راجحا"- خصوص خبر ذريح المحاربي قال سئلت أبا عبد الله عليه السلام رجل حلف ليحجن ماشيا" فعجز عن ذلك فلم يطقه، قال فليركب و ليسق الهدى، بناء على عدم الفرق في ذلك بين مورد الحديث و هو الحلف و بين النذر، إذ لا فرق بينهما إلا في اعتبار الرجحان في النذر دون اليمين و هذا لا يضر بالاستدلال بالحديث بعد إحراز الرجحان في المقام.
انما الكلام في صحة هذا النذر إذا طرء على المشي عنوان مرجوح مثل ما تقدم في الأمر الثالث، و الأرجح هيهنا صحة النذر و لو كان المشي مرجوحا لكفاية الرجحان في أصل الحج فإنه في مقابل تركه راجح و عباده فيكون كما إذا نذر الصلاة في الحمام بحيث تعلق النذر بهذا الفرد من الصلاة لا بمعنى كونها في الحمام بل بالمقيد، و كذا لو نذر صوم بعض الأيام المكروهة كصوم عرفه لمن يضعف به عن الدعاء و نحو ذلك، حيث ان رجحان الصلاة نفسها أو الصوم نفسه كاف في صحة النذر