التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام - المعلم، محمد علي صالح - الصفحة ٥٥٣
وأما رواية العيون فهي أيضاً لا تدل على المدعى، وذلك لأنّ قوله: (ويغصب الأمة أمرها) يدل على أنّ الولاية والتأمّر على الأمة بالغصب والقهر والغلبة، أو على خلاف نصب الله وتعيينه، وهذا خارج عن محل البحث، وليس فيه دلالة على أنّ الأمر للأمة فيغصبه منها، وقوله: (ويتولّى من غير مشورة) أي يتسلّط على الأمور ويتدخّل فيها بغير مشورة لا أنّ نفس الولاية بدونها.
وعلى فرض التسليم فالظاهر من الأمة هو جميعها لا أكثرها أو بعضها، فلا يتحقق ذلك إلاّ في الوالي العادل المنصوب من قبل الله تعالى لا بالانتخاب.
هذا مضافاً إلى أنّ الرواية ضعيفة من جهة السند، فلا يمكن الاستدلال بها.
وكيف يمكن الالتزام بما استظهره المستدلّ مع أنّه قد ورد عن الإمام
الرضا عليه السلام وغيره من الأئمة عليهم السلام ما هو على خلاف هذه الرواية صريحاً، في نفس كتاب العيون وغيره، وقد استدلّ عليه السلام معلّلاً أنّ الإمامة لا تكون إلاّ من الله وليس للناس فيها اختيار، ومن ذلك ما رواه الكليني في الكافي عنه (الرضا) عليه السلام ـ في رواية طويلة جاء فيها ـ : ... إنّ الإمامة أجلّ قدراً، وأعظم شأناً، وأعلا مكاناً، وأمنع جانباً، وأبعد غوراً من أن يبلغها الناس بعقولهم، أو ينالوها بآرائهم، أو يقيموا إماماً باختيارهم ...[١] .
ومن ذلك أيضاً ما رواه الصدوق في كمال الدين بسنده عن سعد بن عبد الله القمي ـ في حديث طويل ـ عن القائم ... قال: قلت: فأخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم؟ قال: مصلح أو مفسد؟ قلت: مصلح، قال: فهل يجوز أن يقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحدهما ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟ قلت: بلى، قال: فهي العلة أوردها لك ببرهان ينقاد له (يثق به) عقلك، أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله وأنزل عليهم الكتب
[١] ـ أصول الكافي ج ١ باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته، الحديث ١ ، ص ١٩٩ .