التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام - المعلم، محمد علي صالح - الصفحة ١٧٣
محكّمة، ولا تصل النوبة إلى التزاحم كما سيأتي قريباً.
وأما ما ذهب إليه السيد الأستاذ قدس سره فقد يستدل له بأن الإجماعات المدعاة في المسألة مدركية وليست كاشفة عن قول المعصوم فلا يمكن الاستناد إليها، وأمّا الروايات فالمستفاد منها وإن كان هو المعنى الثاني أي نفي الحكم بنفي موضوعه إلاّ أنه لا يمكن الرجوع إلى الإطلاقات الدالة على حرمة قتل الغير بمجرّدها، وذلك لدوران الأمر بين ارتكاب محرم وهو قتل النفس المحترمة، وبين ترك واجب وهو حفظ نفسه وعدم تعريضها للهلاك، فتدخل المسألة في باب التزاحم، وحيث لا ترجيح في البين فالحكم هو التخيير[١] .
والذي يمكن استظهاره في المقام هو قوة ما ذهب إليه المشهور من أنّه لا يجوز قتل الغير مطلقاً، وذلك مضافاً إلى دعوى الإجماع، أنّ الحرمة يمكن استفادتها من نفس الروايات بغض النظر عن كون لا ناهية أو نافية، حيث إنّ لسان الروايات دال على أن جعل التقية وتشريعها إنما ليحقن بها الدم، فإذا لم يحقن بها فلا مشروعية لها حينئذ، فالأساس في تشريع التقية هو حفظ الدماء والتشريع إنما هو لهذه الحالة فإذا لم تكن التقية موجبة لحقن دم الغير فلا تقية وليست مجعولة وحينئذ فإطلاقات الحرمة محكّمة، وأما وجوب حفظ النفس فلا إطلاق لدليله حتى يقع التزاحم في المقام، وذلك لأنّ أدلة وجوب حفظ النفس وإن كانت مطلقة في نفسها ولكنها مقيدة بهذه الروايات، بمعنى أن مورد الروايات هو صورة عدم إراقة دم الغير، وأما في صورة إراقة دمه فلا تقية، وبعبارة أخرى: إن روايات التقية تدل على وجوب حفظ النفس ولكن إلى حدّ لا يبلغ الدم وإلاّ فلا تقية.
هذا وقد يقال في وجه جواز قتل الغير: إنّ الأمر يدور بين المباشرة
[١] ـ مباني تكملة المنهاج ٢ : ١٣ المطبعة العلمية قم ١٣٩٦ هـ .