التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام - المعلم، محمد علي صالح - الصفحة ٣٨١
في آية أخرى من نفس السورة وهي قوله تعالى: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلاّ قليلاً﴾ [١] .
ولم يرد في القرآن الكريم لفظ أولي الأمر إلاّ في هاتين الآيتين.
والظاهر أنّ المراد من أولي في الآية الثانية هم الذين يملكون القدرة على إخراج القول من مرحلة الإبهام إلى مرحلة التمييز والوضوح، وبيان صحته وسقمه وصدقه وكذبه، والوقوف على بطن المعنى، وكشف صلاحه من عدمه.
وهذه القدرة لا تتمثّل إلاّ في الأئمة المعصومين عليهم السلام ولا تنطبق إلاّ عليهم دون بقية الأقوال.
أما عدم انطباق هذا المعنى على أمراء السرايا فلأنّ شأنهم غير هذا الشأن وذلك لأنّ المراد من قوله تعالى: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف﴾ هو الأقاويل والأباطيل التي يدسها الكفار ورسلهم لإيقاع الفتنة والنفاق بين المسلمين بحيث يوجب تزلزلهم واختلافهم، وكان الضعفاء والبسطاء من المسلمين يذيعون ذلك ويفشونه، الأمر الذي يكون سبباً لوصول الكفار إلى مقاصدهم وأهدافهم الدنيئة.
ولاشكّ أنّ فهم هذه الأمور ومعرفتها ليست من شأن أمراء السرايا، وإنما شأنهم التدبير الحربي والتنظيم العسكري، وما يتعلّق بشؤون الحرب والقتال.
نعم قد ينطبق المعنى المذكور على بعض أمراء السرايا على نحو الإيجاب الجزئي إلاّ أنه لا يفيد في المقام لأنّ المراد هو أنّ جميع أولي الأمر لهم هذا الشأن.
والحاصل: أنّ معرفة ما يوجب الإخلال والزعزعة في الدين من فعل الكفار والمشركين ليس من شأن أمراء السرايا، وإنما هو من شأن العالمين بأسرار
[١] ـ سورة النساء، الآية: ٨٣ .