التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام - المعلم، محمد علي صالح - الصفحة ٤٧٩
وكانت في غاية اليقظة والحذر من أي تصرّف معاكس تراه خطراً يهدد سياستها، ولاشكّ في أنّ الحكم بالولاية يتضمّن الحكم ببطلان دعاوى الجائرين وأنهم
ليس لهم من الأمر شيء، وإذا كان الأمر كذلك من الشدة والبلاء فكيف يتمكن الأئمة عليهم السلام من التصريح بالولاية ومن نصب القيّم، والمرجع في الأمور العامة بصورة واضحة تكون نصّاً صريحاً في المراد بحيث لا يترتب عليه أيّ خطر على الأئمة عليهم السلام أو شيعتهم.
لا يقال: إنّ منصبي القضاء والإفتاء من هذا القبيل، فكيف صُرّح بالنصب فيهما دون الولاية؟
لأنّا نقول: إنّ هذين المنصبين يختلفان عن منصب الولاية إذ لا يعدّان في مقابل السلطة الجائرة بحيث يشكّلان خطراً عليها، وهما وإن كانا من فروع الزعامة إلاّ أنهما منحازان ومستقلاّن عن الولاية والوالي، ولذا كان الحكم فيهما واضحاً، بل يمكن القول إنّ الإمام عليه السلام لم يصرّح بالنصب حتى في هذين المنصبين، بل كان منه الإمضاء والتقرير وذلك لأنه عليه السلام أمضى في المقبولة وغيرها النصب وأقرّه، ولم يكن ابتداء منه عليه السلام حيث قال: (ينظران إلى من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، وليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً) .
ولعلّ النكتة في عدم الجعل والنصب ابتداء منه عليه السلام هو ما ذكرناه من خطورة المسألة وتوفر دواعي الإخفاء لاتخاذ هذا النحو من البيان.
مضافاً إلى أنه عليه السلام لما حظر عن الرجوع إلى السلطان الجائر لم يصرّح بذكر البديل والمرجع في الأمور العامة.
ولعلّ الوجه في ذلك هو عدم الحاجة إلى النصب لكون الإمام موجوداً آنذاك، وكان الشيعة يتمكنون من الوصول إليه.