التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام - المعلم، محمد علي صالح - الصفحة ٥٢٢
الثالث: أنّ بعضها وارد في قضايا خاصّة[١] .
الرابع: أنّ بعضها يختصّ بشؤون الحياة الزوجية ولا عمومية فيها بالنسبة إلى غيرها[٢] .
الخامس: أنّه على فرض التسليم بالدلالة إلاّ أنها لا تشمل تولّي الرئاسة ومؤسسات اليوم إذ الرئيس ليس مستقلاً برئاسته بل هو ملزم بالمشاورة والعمل بالقانون[٣] .
وذكر وجوهاً أخرى واضحة الضعف.
ولا نرى حاجة إلى الإجابة عنها[٤] فإنها بيّنة الخلل لمن مارس أو اطّلع
[١] ـ مسائل حرجة في فقه المرأة ـ الكتاب الثاني ـ أهلية المرأة لتولّي السلطة، ص ١٠٢ ـ ١٠٣ .
[٢] ـ نفس المصدر ص ١٠٤ .
[٣] ـ نفس المصدر ص ٤٧ ـ ٨٢ .
[٤] ـ ولكن لا بأس بالإشارة الإجمالية إلى وجوه الخلل والضعف في كل ما ذكره من مناقشات:
أما بالنسبة إلى ما ذكره حول الآية الشريفة ]الرجال قوامون على النساء[ حيث استظهر منها أن المراد هو قوامية الرجال على النساء في الأسرة وباعتبار علاقة الزوجية فقط.
ففيه: أنّ الظاهر من الآية الشريفة هو أنّ القوامية بمعنى الولاية على التصرّف وأن الرجل ولي المرأة وأنها تحت سلطنته، وهذا ما تؤيده بل تدلّ عليه الأدلة الأخرى الدالة على أن المرأة تحت امرة الرجل ولا يسعها مخالفته، كما في عدم جواز خروجها إلاّ بإذنه ـ مثلاً ـ بل لا يجوز لها أن تأتي بالمستحبات إذا كانت تستلزم تفويت بعض حقوقه، وغيرها من الموارد.
فما ذكره من اختصاص ذلك بالأسرة لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه.
وأما ما استشهد به بما ورد في تفسير القمي من قوله: mيعني فرض الله تعالى أن ينفقوا على النساءn فهو مضافاً إلى أنه لا حجية فيه إذ ليس هو رواية يمكن الاستدلال بها، لتفسير القوامية من الآية، وذلك لأنّ الإنفاق منصوص عليه في نفس الآية، فلا معنى لتفسير القوامية بوجوب الإنفاق، على أنّ الإنفاق أحد مصاديق القوامية لا أنه كل معناها. وهكذا بالنسبة إلى ما نقله من سائر أقوال اللغويين والمفسّرين.
وأما إنكاره السيرة فهو عجيب وذلك:
أولاً: إنه لم يعهد في تاريخ الإسلام أن المرأة كان لها دور في تولّي السلطة.
وثانياً: إن ما ذكره من غفلة الفقهاء عن المناخ الفقهي، خلاف الإنصاف فإن الفقهاء على تمام الالتفات إلى جميع الأدلة وملابساتها، وملاحظة ما قيل بل وما يمكن أن يقال في كل قضيّة يتناولونها بالبحث والدراسة.
وثالثاً: إن ما ذكره من وجه الغفلة من أنّ مبدأ الإمامة منحصر بالنصّ على اثني عشر إماماً فهذا دليل عليه لا له، إذ لنا أن نتساءل أين كانت المرأة غائبة عن دائرة النصّ؟ ولماذا اختصّ بالرجال دون النساء؟ فهذه فاطمة الزهراء (ع) وهي سيدة النساء لِمَ لم تجعل إماماً على الناس؟ ولِمَ لا يكون لها نصيب في الولاية على أمر من الأمور، وهكذا بالنسبة إلى نساء بني هاشم وغيرهنّ من سائر النساء في تلك الحقبة من الزمان؟
ورابعاً: إنّ ما ذكره من الخطأ في تشخيص حقل العمل السياسي هو خطأ قد وقع فيه، فإنّ طبيعة المجتمع وأساليب الاتصال والتعبير السياسي لا ربط لها بما نحن فيه، فإنّ محل البحث هو تصدّي المرأة وأهليتها لتولي السلطة ولا شأن لنا بطبيعة المجتمع ومكوّناته.
وخامساً: إنّ ما ذكره من الشواهد للشخصيات النسائية لا شاهد فيها فإنّ خديجة (ع) لم يكن لها أيّ دور في تولّي السلطة آنذاك، وإنما كان دورها مؤازرة النبي (ص) حيث بذلت أموالها في سبيل الإسلام ودافعت عن النبي (ص) وليس هذا عملاً سياسياً يستفاد منه أهليّتها لتولي السلطة، وأما الدفاع فهو حق مشروع لكل أحد.
وأما الزهراء (ع) فإنها قد غصب حقها، وانتهكت حرمتها، وخرجت تطالب بحقها، وتعرض ظلامتها، وتقيم الحجّة على من اعتدى على مقامها، وأين هذا من العمل السياسي.
وأما عائشة فهي التي خرجت راكبة الجمل الأحمر ـ وكانت في خروجها ومسيرها متنكّبة سبيل الرشاد ـ تقود جيش الناكثين تحارب به نفس النبي (ص) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ، وتجرّ المسلمين إلى حرب ضروس تُسفك فيها دماؤهم، وتُقطع فيها أرحامهم، ولا غرض لها من ذلك إلاّ إحداث الشغب على أمير المؤمنين (ع) وإشغاله عن إرساء قواعد العدل والدين وتصحيح المسار، وكان في خروج عائشة على الإمام (ع) تمهيد للطريق إلى إعلان العصيان والتمرّد من قبل الباغين والمارقين.
وهي التي خرجت ـ ثانية ـ وقد امتطت البغل لتمنع بني هاشم عن دفن جثمان الإمام الحسن الزكي (ع) في جوار جدّه رسول الله (ص) ، وقد هتك الأمويون جنازة الحسن (ع) حتى أنّ بعض المؤرخين قد ذكر أنّ القوم رشقوا الجثمان الطاهر بالسهام، وكانت عائشة تقودهم على بغلة شهباء، وكادت معركة البغل أن تقع لولا وصية الحسن (ع) أن لا يراق في أمره ملأ محجمة دماً.
ولا ندري فلعلّها لو امتدّ بها الأجل لخرجت ـ ثالثة ـ وهي تركب الفيل لتقود الجيش الذي حارب الحسين، ولتحقّق بذلك ما تنبأ به الشاعر حين قال يخاطبها:
تــجمّلت تـــبغّلت وإن عشتي تــفيّلت
فهل في ما قامت به عائشة حجة شرعية يمكن الاستناد إليها؟
على أنّ المستدل نفسه قد ذكر أنها اعترفت هي بخطئها في عملها وأعلنت ندامتها على حربها لأمير المؤمنين (ع) ، وإن كان ما ذكره على خلاف التحقيق.
وأما حفصة فلم نعرف لها من عمل إلاّ أنها تظاهرت مع اختها ـ عائشة ـ على النبي (ص) في قصة ذكرها المفسرون لسورة التحريم. وأرادت الخروج في حرب الجمل لتناصر عائشة في قتالها لأمير المؤمنين (ع) لولا أنها منعت من ذلك.
وأما أم سلمة (رض) فلم يكن لها من عمل إلاّ أنها بقيت في بيتها وأطاعت الله والرسول وقد حاولت عائشة أن تصحبها معها لحرب علي فرفضت.
وقس على هذا سائر النساء.
فأين كانت المرأة من تولّي السلطة والتصدّي للأمور.
وأما ما ذكره حول الإجماع فنقول في جوابه: إنّ اتفاق العلماء والفقهاء قاطبة منذ الصدر الأول إلى يومنا هذا أتراه كان بلا مستند، وعلى فرض أنه مدركي فالمدرك ثابت.
وأما ما ناقش به الروايات ففيه:
أولاً: إنّ الروايات بلغت من الكثرة حدّاً يمكن معه دعوى التواتر الإجمالي.
وثانياً: إنّ هناك روايات صحيحة الأسناد لم يذكرها المستدل.
وثالثاً: إنّ محل الكلام هو أهلية المرأة لتولّي السلطة وتصدّيها للأمور مطلقاً أي سواء كانت مستقلة في ولايتها أو معها غيرها، ودعوى أن كونها محكومة بالمشاورة والقانون ـ في حالة تولّيها ـ مردودة بأنّ الأدلة تمنع من ذلك جملة وتفصيلاً، على أن الاستقلالية غير متحقّقة حتى بالنسبة للرجال أيضاً فإنهم في سلطتهم وولايتهم يجرون على طبق القانون والمشاورة، وهذا أمر بيّن لا خفاء فيه على أحد لاحظ سيرة كل من تولّى أمراً من الأمور.