التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام - المعلم، محمد علي صالح - الصفحة ٤٣
وثالثاً: أن هذا المعنى قد صرحت به الروايات الواردة في شأن هذه الحادثة فقد ورد في صحيحة أبي الصباح الكناني ـ كما في تفسير علي بن إبراهيم القمي في تفسير قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ [١] ـ عن أبي عبد الله عليه السلام قال: نزلت هذه الآية بعدما رجع رسول الله صلي الله عليه و آله من غزوة تبوك في سنة تسع من الهجرة، قال: وكان رسول الله صلي الله عليه و آله لما فتح مكة لم يمنع المشركين الحجّ في تلك السنة، وكان سنّة في العرب في الحج أنه من دخل مكة وطاف بالبيت في ثيابه لم يحل له إمساكها، وكانوا يتصدقون بها ولا يلبسونها بعد الطواف، وكان من وافى مكة يستعير ثوباً ويطوف فيه ثم يرده، ومن لم يجد عارية اكترى ثياباً، ومن لم يجد عارية ولا كراءاً ولم يكن له إلاّ ثوب واحد طاف بالبيات عرياناً، فجاءت امرأة من العرب وسيمة جميلة فطلبت ثوباً عارية أو كراءاً فلم تجده فقالوا لها: إن طفت في ثيابك احتجت أن تتصدقي بها، فقالت: وكيف أتصدق بها وليس لي غيرها؟ فطافت بالبيت عريانة وأشرف عليها الناس فوضعت إحدى يديها على قبلها والأخرى على دبرها ...
وكانت سيرة رسول الله صلي الله عليه و آله قبل نزول سورة البراءة أن لا يقاتل إلاّ من قاتله، ولا يحارب إلاّ من حاربه وأراده، وقد كان نزل عليه في ذلك من الله عزوجل: ﴿فإن اعتزلوكم ولم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً﴾ [٢] فكان رسول الله صلي الله عليه و آله لا يقاتل أحداً قد تنحى عنه واعتزله حتى نزلت عليه سورة البراءة، وأمره الله بقتل المشركين من اعتزله ومن لم يعتزله إلاّ الذين قد كان عاهدهم رسول الله صلي الله عليه و آله يوم فتح مكة إلى مدة، منهم صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، فقال الله عزوجل: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم
[١] ـ سورة التوبة، الآية: ١ .
[٢] ـ سورة النساء، الآية: ٩٠ .