التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام - المعلم، محمد علي صالح - الصفحة ١٧٤
والتسبيب بمعنى: أنّ ترك التقية وعدمها سبب في إلقاء النفس في التهلكة وهو حرام، فإنّ الجائر يقتله لعدم امتثاله كما أنه إذا امتثل أمر الجائر وقتل الغير فقد ارتكب حراماً ، والفرق بينهما أن الأول تسبيبيّ والثاني مباشري، والتسبيب هنا ليس عادياً ولا عقلياً لأنّه متعلق بإرادة الغير وهو الجائر فلا يصلح لأن يزاحم حرمة قتل النفس مباشرة.
وفيه: أنّ الواجب هو حفظ النفس بناءً على وجوبه استقلالاً، والتزاحم إنّما يقع بينه وبين حرمة قتل الغير، وكلاهما مباشري لا أنه يقع بين محرّمين أي حرمة إلقاء النفس في التهلكة، وحرمة إتلاف الغير.
هذا كلّه فيما إذا كان الحكم منوطاً بالتقية والإكراه، وأمّا إذا كان في غير هذا المورد كدوران الأمر بين حفظ النفس وبين قتل الغير من غير إكراه ولا تقية كما إذا كان في مخمصة مثلاً وعدم وجود طعام يكفي لكلا الشخصين، أو لجهات أخرى فهنا يقع التعارض بين إطلاق وجوب حفظ النفس وإطلاق حرمة قتل الغير، ونتيجته التزاحم فيقدم الأهم وإلاّ فالتخيير، نعم يظهر من بعض الآيات والروايات الثناء على الإيثار ومدح المؤثرين على أنفسهم كما ذكر في قوله: ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾ [١] كما ورد أنّ سبعة عطشوا في يوم أحد، فجيء بماء يكفي لأحدهم، فقال واحد منهم: ناول فلاناً، حتى طيف على سبعتهم وماتوا ولم يشرب أحد منهم، فأثنى الله سبحانه عليهم[٢] .
المسألة الثانية: هل الحكم يختص بالمؤمن أو يشمل المخالف أيضاً؟
فيه احتمالان، الأول: اختصاصه بالمؤمن، والثاني: شموله للمخالف ولا يبعد الأول لكونه هو المشهور، ولأنّ التقية ـ كما يظهر من بعض الروايات ـ من
[١] ـ سورة الحشر، الآية: ٩ .
[٢] ـ مجمع البيان في تفسير القرآن ٩ : ٢٥٨ ، منشورات شركة المعارف الإسلامية.