التقية في فقه أهل البيت عليهم السلام - المعلم، محمد علي صالح - الصفحة ١٦٦
والمراد أنّ للتقية حدّاً وهو بلوغ الدم فإذا بلغت ذلك الحدّ فلا تقية، وهكذا بالنسبة إلى العرض أو المال، فإنّ لكل منهما حدّاً وهو البلوغ إلى هتك العرض ونهب المال فإذا بلغت التقية إلى هتك العرض أو نهب المال فلا تقية، فالمستفاد من الرواية أمر كلي وهو أنّ التقية إنّما شرعت لحفظ الحدود من الدم والعرض والمال فإذا بلغت تلك الحدود فلا تقية.
مناقشة الأقوال:
وقد أجاب الشيخ قدس سره عن أدلة القول الثاني بأنّ التقية وإن شرعت لدفع الضرر ـ وهذا لا نزاع فيه ـ ولكن بمعنى دفع توجّه الضرر وحدود مقتضيه، لا بمعنى دفع الضرر المتوجه بعد حصول مقتضيه، فإذا توجّه الضرر إلى شخص بمعنى حصول المقتضي فلا يجب دفعه بالإضرار بنفسه أو بغيره بل لا يجوز في الجملة، فمثلاً لو أجبر المكلف على دفع مقدار من ماله وفرض أنّ نهب مال الغير يحفظ ماله فلا يجوز نهب مال الغير لرفع الضرر عن نفسه، وكذا لو أكره على نهب مال الغير فلا يجب تحمّل الضرر على نفسه بترك النهب لدفع الضرر المتوجّه إلى الغير[١] .
ففي محل الكلام حيث إنّ الضرر متوجه ابتداء إلى الغير فلا يجب صرفه عن الغير بتحمله بنفسه، نعم لو تحمّل الضرر بنفسه ولم يوقع الضرر بالغير فهو وإن صرف الضرر عن الغير ووجهه إلى نفسه عرفاً إلاّ أن الشارع لم يوجب عليه ذلك، والامتنان بهذا المعنى على بعض الأمّة لا قبح فيه كما لو أراد ثالث الإضرار بالغير لم يجب على شخص آخر أن يتحمّل الضرر ويصرفه إلى نفسه، وعلى حدّ تعبير صاحب الجواهر أنه: ليس هذا الشخص إلاّ كالأجنبي الذي يستطيع رفع الظلم عن مؤمن بما يضرّ بحاله من مال أو نفس أو عرض، ولا يجب عليه تحمّل الضرر في رفع الإكراه مقدمة لتجنب ظلم الغير ضرورة معلومية سقوط وجوب
[١] ـ المكاسب: ٥٨ الطبع القديم.