بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٩ - الأول قوله تعالى وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا
قوله تعالى [١] : ((الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ)) ، فإن من الواضح أن العمرة تصح في جميع شهور السنة وليست محددة بوقت معين بخلاف الحج الذي لا يصح إلا في الأشهر الثلاثة: شوال وذي القعدة وذي الحجة.
والحاصل: أن الحج في مختلف موارد استعماله في القرآن المجيد إنما أريد به ما يقابل العمرة, فاستظهار كون الحج بالمعنى الأعم من الحج والعمرة في قوله تعالى: ((وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا)) في غير محله، فإن القرآن يفسّر بعضه بعضاً كما هو ظاهر.
وثانياً: أن الحج المذكور في الآية الكريمة لو كان شاملاً لكل من الحج والعمرة لكان المستفاد من الآية ــ كما نبّه عليه بعض الأعلام (طاب ثراه) [٢] ــ وجوب أحدهما لا وجوبهما معاً.
وبتعبير آخر: إنه لو كان للحج معنيان: معنًى أخص وهو الحج المقابل للعمرة، ومعنًى أعم يشمل كلاً من الحج والعمرة على حدَّه, وكان المراد بالحج في الآية المباركة هو المعنى الثاني لاقتضى ذلك كون الواجب على المستطيع هو الجامع بين العمرة والحج لا كليهما, وهو خلاف المدعى.
أي أن ما بُني عليه الاستدلال هو أن كلاً من العمرة والحج مصداق لزيارة البيت، التي هي المراد بـ(حج البيت) المذكور في الآية المباركة, ومن الواضح أن الأمر بالطبيعي الجامع بين فردين يُمتثل بالإتيان بأحدهما, كما لو أُمر بإكرام زيد وكان الإكرام على نحوين: الإكرام بالاستضافة والإكرام بتقديم الهدية، فالأمر المذكور يسقط بالإتيان بأحد النحوين ولا يقتضي الإتيان بكليهما, لأن الأمر بالطبيعي لا يدعو إلا إلى إيجاد صرف الوجود منه, فلو أريد أكثر من ذلك للزم بيانه, كأن يقول: (أكرم زيداً باستضافته وبتقديم الهدية إليه).
وعلى ذلك فأيُّ وجه للتمسك بالآية المباركة للقول بوجوب العمرة تعييناً في جنب الحج الذي لا ريب في وجوبه كذلك؟!
[١] البقرة:١٩٧.
[٢] التهذيب في مناسك العمرة والحج ج:١ ص:٢٩٠.