بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٧١ - ٢ من يعود إلى مكة قبل مضي الشهر
ولكن يمكن أن يلاحظ على هذا الاستدلال من جهتين ..
الجهة الأولى: أنه قد مرَّ في محله أن في المراد بما ورد في النصوص من أن: ((في كل شهر عمرة)) أو ((لكل شهر عمرة)) وجهين: أحدهما أن يكون مسوقاً لبيان تحديد مشروعية العمرة، والآخر أن يكون مسوقاً لبيان ما يتأكد استحبابه منها في الشرع المقدس، ومرَّ أنه يصعب البناء على أحد الوجهين لتضارب الشواهد من الجانبين، ولذلك كان المختار عدم جواز الإتيان بعمرتين في شهر واحد من جهة أصالة عدم مشروعية أزيد من واحدة، لفقدان الدليل اللفظي على استحباب العمرة بحيث ينعقد له الإطلاق ويُرجع إليه عند الشك.
وعلى ذلك فإن تم ما ذكر في الأمر الثاني المتقدم فأقصى ما هناك أن يُعلم إجمالاً ــ على سبيل منع الخلو لا منع الجمع ــ بجواز الإتيان بالعمرة الثانية قبل انقضاء الشهر أو جواز الدخول في مكة بلا إحرام في الشهر نفسه، أي لا يحتمل عدم جواز كليهما، ومقتضى أصالة عدم المشروعية عدم جواز الأول ومقتضى إطلاق ما دل على عدم جواز دخول مكة إلا محرماً هو عدم جواز الثاني، ولا يمكن رفع اليد عن إطلاق هذا الدليل بمقتضى أصالة عدم المشروعية التي هي أصل عملي. نعم لو كان قد ثبت أن قوله ٧ : ((في كل شهر عمرة)) مسوق لبيان تحديد مشروعية العمرة في كل شهر بمرة واحد لأمكن الاستناد إليه في رفع اليد عن إطلاق ما دلَّ على عدم جواز دخول مكة إلا محرماً بضميمة الأمر الثاني المذكور، ولكن المفروض عدم ثبوت ذلك.
وعلى ذلك يتعيّن على من يريد دخول مكة في الشهر الذي اعتمر فيه أن يحرم لعمرة ثانية احتياطاً فإنه بذلك يحرز عدم ارتكابه للحرام إما لصحة العمرة الثانية أو لجواز دخول مكة بغير إحرام قبل انقضاء الشهر.
الجهة الثانية: أن الممنوع على من أتى بعمرة في شهر هو أن يأتي بعمرة أخرى عمن أتى عنه بالعمرة الأولى سواء أكان هو نفسه أم غيره، وأما الإتيان بالعمرة الثانية عن شخص ثانٍ فلا مانع منه كما مرَّ في محله.
ولذلك فليس مقتضى الالتزام بعدم مشروعية ما يزيد على عمرة واحدة