بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٩٩ - الثالث كلمات جمع من فقهائنا
ومسافتها منها كمسافة الأخرى).
وظاهر هذه العبارة أن الجمرات كانت غير الأعلام المنصوبة بها، ومقتضى ذلك أنها لم تكن أبنية آنذاك، وإلا لم تكن حاجة لنصب أعلام عليها أو إلى جانبها، فإن العلم إنما ينصب للدلالة على المكان الذي ليس له ما يميزه عن غيره ـ كما في أعلام الحرم ـ أو يخشى أن يطمس ويضيع بسبب العوامل الطبيعية، فإذا كانت الجمرات أبنية آنذاك كما هي في العصور المتأخرة لكانت مستغنية عن نصب أعلام لها.
وأيضاً قوله في وصف جمرة العقبة أنها (مرتفعة للمتراكم فيها من حصى الجمرات) إنما يناسب عدم كونها بناءً بل مجتمع الحصى، فإنه لا معنى لارتفاع البناء بتراكمها، وإنما يحصل ذلك في مكان اجتماعها، فليتأمل.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن أحد الباحثين المعاصرين[١]أعدّ دراسة عن الجمرات الثلاث حاول أن يجمع فيها كل المعلومات المتوفرة عنها في كتب التاريخ، وفي ضوئها جزم بأنه لم يكن في مواضع الجمار هذه الأبنية التي ترمى في العصور المتأخرة، ولكن استحدثت في منتصف القرن الثالث أو بعد ذلك أعلام تشير إلى مواضعها، ثم بعد ذلك أطلق اسم الجمرة على العلم الذي وضع فوقها من باب إطلاق اسم المحل على الحال، ومن ثم اختفى معنى الجمرة الأصلي، وهو مجتمع الحصى أو مرمى الحصى، لتعرف بما وضع فوقها من أعلام.
(الشاهد الثالث): كلمات جمع من فقهائنا[٢]، وهي على أقسام ..
القسم الأول: ما يدل على أن الجمرة هي الأرض، ومن ذلك ما ورد في ما يعرف بالفقه الرضوي[٣]ـ وقد مرّ مراراً أنه لا يبعد أن يكون هو كتاب
[١] لاحظ تاريخ الجمرات بوادي منى في مكة المكرمة ص:٢٨، ٣٠، ٣٤، ٤٠، ٤٢.
[٢] لا يخفى أن الاستشهاد بكلماتهم وكذلك كلمات جمع من فقهاء الجمهور كما سيأتي إنما هو من حيث دلالتها على أن الجمرة لم تكن في عصرهم بناءً بل موضع من الأرض، مما يقتضي كون إطلاقها على البناء في العصور المتأخرة أمراً مستحدثاً.
[٣] الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا ٧ ص:٢٢٦.