بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٦ - هل إن قوله تعالى
والحاصل: أن كون (حيث) في الآية الكريمة المبحوث عنها للزمان مما لا يمكن البناء عليه، ومن هنا يضعف القول بتعلقها بالإفاضة من المزدلفة بناءً على ذلك.
لا يقال: ولم لا يجوز أن تكون (حيث) فيها للمكان مع تعلقها بالإفاضة من المشعر؟
فإنه يقال: إنها لما كانت مسبوقة بقوله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) لم يصح أن يكون المراد بقوله: (مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) هو المكان الذي أفاض منه الناس في إشارة إلى المشعر الحرام، فإن المفروض أن المشعر مذكور قبلها باسمه فمن غير المستساغ عند أبناء المحاورة أن يشار إليه متصلاً به بهذا العنوان الذي فيه إبهام، ولو كان تعالى يريد الإشارة إلى أن المشعر مكان إفاضة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق : وأتباعهم لكان ينبغي أن يقول: (ثم أفيضوا منه كما أفاض الناس)، مع أنه تقدم أن الإفاضة من المشعر مما كان يشترك فيه الجميع بخلاف الإفاضة من عرفات، فلم يكن محل للإشارة إليه بصفته المكان الذي كان يفيض منه الأنبياء الثلاثة : وأتباعهم.
هذا والملاحظ أن العلامة البلاغي (قدس سره) ـ الذي تقدم أنه تبنى القول الثاني، أي تعلق الآية الكريمة بالإفاضة من المزدلفة ـ ذكر وجهاً آخر في تفسيرها لا يبتني على كون (حيث) فيها زمانية مستنداً فيه إلى مقطع من صحيحة معاوية بن عمار المفصلة الحاكية لحج النبي ٦ [١]، حيث أورده مع مزجه بتوضيحاته قائلاً[٢]: (ثم غدا ٦ ـ أي من منى ـ والناس معه، وكانت قريش تفيض من المزدلفة وهي جمع ـ أي لا يقفون في عرفة فتكون لهم منها إفاضة بل يقفون في المشعر وتكون منه إفاضتهم ـ ويمنعون الناس من أن يفيضوا منها ـ أي من المزدلفة، يعني أنهم لا يدعون الناس بعد إفاضتهم من عرفات أن يقفوا في المزدلفة لكي يكون لهم منها إفاضة أيضاً، بل لا يكون لهم إلا الاستطراق ـ فأقبل رسول الله
[١] الكافي ج:٤ ص:٢٤٥. تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٤٥٤.
[٢] آلاء الرحمن في تفسير القرآن ج:١ ص:١٨٠.