بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٠٢ - استعراض الروايات التي استدل بها لعدم الإجزاء في الصورة المذكورة والبحث عنها سنداً ودلالة
الصحيحة من هذا القبيل، فإن المقدم فيها يشتمل على أمرين: إدراك الوقوف في عرفات قبل طلوع الشمس، أي إدراكها في الوقت الاضطراري، وعدم إدراك الناس بجمع، أي عدم إدراك الوقوف الاختياري في المزدلفة. وعلى ذلك فمفهوم الجملة الشرطية هو أنه لا أمر بالوقوف قليلاً في الوقت الاضطراري في المزدلفة ـ وهو الحكم المذكور في التالي ـ سواء لم يدرك الوقوف الاضطراري بعرفات أم أنه أدرك الوقوف الاختياري في المزدلفة.
والوجه في ذلك في صورة إدراك اختياري المشعر واضح وهو أنه قد استغنى به عن الوقوف فيه في الوقت الاضطراري، وأما في صورة عدم إدراك الوقوف الاضطراري في عرفات ـ أي فوت عرفات في الوقتين جميعاً ـ فلا بد أن يكون عدم الأمر بالوقوف الاضطراري في المشعر من جهة أنه لا يجدي وحده في إدراك الحج، إذ لا تفسير له غير ذلك.
وبعبارة أخرى: إنه إذا لم يكن لإدراك اضطراري عرفات دور في إدراك الحج مع إدراك اضطراري المشعر، بأن كان يكفي في إدراك الحج إدراك اضطراري المشعر وحده، لكان ينبغي للإمام ٧ أن لا يذكر إدراك عرفات قبل طلوع الفجر في كلامه، بل يقول بدله: (إذا لم يدرك الحاج عرفات، وأقبل ولم يدرك الناس بجمع، ووجدهم قد أفاضوا فليقف قليلاً ..). وحيث إنه لم يقل كذلك بل أخذ إدراك اضطراري عرفات في موضوع الحكم بكفاية إدراك اضطراري المشعر دل على أن الأخير وحده لا يكفي في إدراك الحج بل لا بد معه من إدراك الوقوف في عرفات، وهذا هو المطلوب[١].
[١] وقد يناقش في هذا البيان بأنه يحتمل أن الإمام ٧ كان بصدد الرد على الجمهور القائلين بأن إدراك عرفات في ليلة العيد يكفي في صحة الحج، فاشترط مع إدراكها ليلاً إدراك المشعر ولو في الوقت الاضطراري، وعلى ذلك فلا دلالة في الرواية على عدم كفاية إدراك اضطراري المشعر وحده.
ولكن يمكن الجواب عن هذه المناقشة بأنه لو كان كلام الإمام ٧ مسوقاً لإفادة ما ذكر لكان ينبغي أن يقول ٧ في الذيل: (وإلا فلا حج له)، لا أن يقول: (ولا شيء عليه)، فإنه ظاهر الدلالة على أنه كان بصدد بيان أن فوات اختياري المشعر لا يضر بصحة الحج مع إدراكه في الوقت الاضطراري وإدراك عرفات قبل ذلك.
وأما احتمال ذهاب بعض الجمهور إلى وجوب الكفارة على من لم يدرك الوقوف بعرفات في النهار وإنما أدركه في ليلة العيد، ليحتمل أن يكون قوله ٧ : «ولا شيء عليه» مسوقاً لنفي وجوبها فهو ضعيف، إذ إنهم اتفقوا على صحة الحج وعدم ثبوت شيء من الدم في مثل ذلك (يلاحظ المغني لابن قدامة ج:٣ ص:٤٣٣).