بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤١٣ - الثاني كلام الفاكهي في أخبار مكة
رواياتنا[١]وروايات الجمهور[٢]لا يقتضي كون الجمرة عموداً أو نحوه بل يتلائم مع كونها مجتمع الحصى أيضاً.
(الشاهد الثاني): ما ذكره الفاكهي[٣](المتوفى عام ٢٧٢) من أن المتوكل العباسي بعث بإسحاق بن سلمة عام (٢٤١) إلى مكة لترميم ما أصاب المشاعر المقدسة من الأضرار، ومما قام به في منى أنه أصلح الطريق التي سلكها رسول الله ٦ من منى إلى الشعب و(كانت قد دثرت وعفت زماناً، لأن الجمرة زائلة عن موضعها، فردها إسحاق إلى موضعها الذي كانت عليه، وبنى وراءها جداراً أعلاه عليها ومسجداً متصلاً بذلك الجدار، لئلا يصل إليها من يريد الرمي من أعلاها).
فإن هذا النص إنما يناسب كون الجمرة عموداً أو نحوه لا مجرد موضع من الأرض تجتمع فيه الحصى كما لا يخفى.
ولكن تقدم أن الأزرقي[٤]ـ المتقدم زماناً على الفاكهي ـ قد أورد النص المذكور مع فقرة إضافية بعد قوله: (الجمرة زائلة عن موضعها)، وهي: (أزالها جهال الناس برميهم الحصى). وهذه الفقرة تناسب كون الجمرة هي مجتمع الحصى، إذ لو كانت بناءً أو نحوه فإن حصى الرمي لما كانت تؤدي إلى زوالها عن موضعها بل إلى تفتتها وانهدامها إذا كانت الحصى كباراً، وأما تراكم الحصى الصغار في أطرافها فإنما توجب تثبيتها في مكانها.
مضافاً إلى أنه ورد في ذيل عبارة الفاكهي قوله: (وجعل على ذلك كله أعلاماً بناها بالجص والنورة)، ومرّ أن هذا الذيل يناسب عدم كون الجمرات أعمدة أو نحوها وإلا لما احتاج إلى بناء أعلام عندها للدلالة عليها كما هو ظاهر.
وبالجملة: لعل كلام كل من الأزرقي والفاكهي أقرب إلى الدلالة على
[١] الكافي ج:٤ ص:٤٧٩. قرب الإسناد ص:٣٥٩. دعائم الإسلام ج:١ ص:٣٢٣.
[٢] لاحظ المصنف لابن أبي شيبة ج:٨ ص:٢٠١ (طبعة محمد عوامة)، وهو مذكور في طبعة (دار الفكر) في (ج:٤ ص:٢٧٧)، ولكن فيه سقط.
[٣] أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ج:٤ ص:٢٨٠.
[٤] أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار ج:١ ص:٣٠٣.