بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٢٧ - الأولى أن يكون البناء الفعلي مطابقاً مع البناء السابق في الخصوصيات
من ذلك الزمان فضلاً عن دعوى الاطمئنان بذلك.
وأما ما ذكره (طاب ثراه) من أن استصحاب بقاء الجمرة التي كانت على عهد النبي ٦ لا يثبت كون الموجود هو تلك الجمرة إلا على سبيل الأصل المثبت الذي لا حجية له فيلاحظ عليه بأنه (قدس سره) يقول تبعاً للسيد الأستاذ (رضوان الله عليه) بحجية استصحاب القهقرى في تشخيص معاني الألفاظ كما صرح بذلك في أصوله وفقهه[١]، وبناءً عليه يمكن أن يقال: إن الجمرة تطلق في زماننا هذا على البناء القائم بالفعل من غير عناية، فإذا شك في أن هذا البناء هل كان موجوداً بعينه في زمن النبي ٦ أو لا، يكون مرجع ذلك إلى الشك في أن لفظ (الجمرة) هل نقل من معنى إلى معنى آخر، أي كان اسماً للبناء القائم في ذلك العصر فلما زال أطلق على بناء مشابه استحدث لاحقاً، أو أنه بقي البناء الأول فلم يحدث ما ذكر من النقل، وعلى ذلك يكون مقتضى استصحاب القهقرى هو أنه كان في ذلك العصر أيضاً اسم للبناء القائم اليوم، فيثبت أن ما هو الموجود في هذا الزمان هو عين ما كان موجوداً في ذلك الزمان، وهو المطلوب.
وبالجملة: الاستصحاب الجاري في المقام ـ وفق المبنى المذكور ـ إنما هو من قبيل الأصل اللفظي الذي يكون حجة في مثبتاته، وليس من قبيل الأصل العملي الذي قرروا في الأصول أنه لا يثبت لوازم المستصحب العقلية.
وكيف ما كان فلا ينبغي الشك في أن الجمرة لو كانت اسماً للبناء في زمانه ٦ ، فإن ذلك البناء لم يبق إلى الأزمنة المتأخرة بل زال بفعل العوامل الطبيعية وغيرها واستحدث غيره مكانه مرات عديدة خلال القرون اللاحقة.
ثم إنه بعد القطع بعدم بقاء البناء الأول فإن هاهنا صوراً ..
(الصورة الأولى): أن يكون البناء الفعلي المغاير لذلك البناء من حيث المواد في موضعه تماماً ومطابقاً معه في الصفات، أي من حيث طوله وعرضه وارتفاعه، أو يزيد أو ينقص عنه بمقدار لا يعتد به.
[١] لاحظ: آراؤنا في أصول الفقه ج:٦ ص:٥٦، ومباني منهاج الصالحين ج:٧ ص:٥١٣.