بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٢٣ - حكم من أفاض من عرفات واجتاز المزدلفة من دون أن يقصد الوقوف فيها متعمداً
متروكة، محمولة على من وقف به ليلاً قليلاً ثم مضى).
(الوجه الثاني): أن الإطلاق المقامي للرواية تام، ومقتضاه صحة الحج حتى مع تعمد ترك الوقوف في المزدلفة ـ لوضوح عدم العبرة بالاجتياز الخالي من قصد الوقوف كما مرّ ـ ولا وجه لرفع اليد عن ظهور الرواية في كون موردها هو من ترك الوقوف متعمداً ـ كما ذكر في الوجه السابق ـ بل ينبغي رفع اليد عن إطلاقها المقامي بموجب ما دل على أن من فاتته المزدلفة فقد فاته الحج، فإن القدر المتيقن من مورده هو من فاته الوقوف بها من غير عذر.
وهذا الوجه هو اختيار بعض الأعلام (طاب ثراه)[١].
(الوجه الثالث): أن الإطلاق المقامي للرواية منعقد ولا سبيل إلى رفع اليد عنه بما دل على أن من فاتته المزدلفة فاته الحج ـ كما ذكر في الوجه المتقدم ـ فإنه ليس من الجمع العرفي في شيء، بل ينبغي حمل الرواية على التقية، فإن معظم الجمهور قالوا: إن الوقوف في المزدلفة ليس من فرائض الحج بحيث يبطل بتركه بل إنه يجبر بدم، وخالف في ذلك نادر منهم كالأوزاعي وبعض التابعين[٢]، وعلى ذلك فلا محيص من حمل الرواية الموافقة لأكثرهم على التقية بعد معارضتها لما هو ثابت عندنا من أن فوات المزدلفة يوجب بطلان الحج.
(الوجه الرابع): أن الوقوف في المزدلفة من أعظم مناسك الحج في فقه الإمامية، وقد جرى التأكيد على ذلك وأنه يفوت الحج بفواته في روايات كثيرة، وعلى ذلك يمكن أن يقال: إن النص الدال على أن من تركه متعمداً أو مستخفاً فعليه بدنة لا ينعقد له ظهور في عدم بطلان الحج بذلك، بل مجرد وجوب البدنة على التارك المتعمد كما ثبت على تارك الطواف جهالة.
وبعبارة أخرى: إن انعقاد الظهور في الإطلاق المقامي منوط بإحراز كون المتكلم في مقام البيان ـ على خلاف الحال في الإطلاق اللفظي الذي يكفي فيه احتمال كونه في مقام البيان ـ وفي المقام لا سبيل إلى إحراز كون الإمام ٧ في
[١] التهذيب في مناسك العمرة والحج ج:٣ ص:١٧٥.
[٢] بداية المجتهد ونهاية المقتصد ج:١ ص:٢٨٠. المغني ج:٣ ص:٤٤١ـ٤٤٢.