بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤١٥ - الرابع إذا كانت الجمرات مواضع من الأرض ثم تحولت إلى أبنية أو نحوها فكيف سكت الفقهاء عن ذلك؟
مواضع من الأرض تجتمع فيها الحصى ثم وضع في تلك المواضع علامات للدلالة عليها ثم صار الحجاج يرمون العلامات بدلاً عن مجتمع الحصى لعدّ ذلك انحرافاً واضحاً في أداء أحد مناسك الحج، فكيف سكت عنه الفقهاء ولم ينبهوا عليه ويحذروا الحجاج من رمي العلامة بدل رمي الموضع الخاص؟!
أليس في عدم تعرضهم لذلك دليل على بطلان الادعاء المذكور وأن الجمرات كانت من الأول أبنية ترمى كما في الأزمنة المتأخرة؟!
ويلاحظ على هذا الكلام بأن فقهاء الجمهور قد صرحوا ـ كما مرّ في كلماتهم ـ بأن العمود مجرد شاخص والموضع هو المرمى، ولكنهم بين من يقول بأن العبرة بوصول الحصاة إلى المرمى ولا يجب رميه مباشرة، وبين من يقول بأن رمي المرمى ورمي فضائه على حدّ سواء، وحيث إن العمود أقيم في فضاء المرمى أمكن الاكتفاء برميه، فهم يرون الاجتزاء برمي البناء ولا يعدّونه انحرافاً ومخالفة لما يعتبر شرعاً في أداء هذا المنسك.
وأما فقهاء أصحابنا (رضوان الله عليه) فقد مرّ خلو كلماتهم إلى عصر الشهيد الأول (قدس سره) عما يشير إلى كون المرمى هو الموضع أو البناء، ولعل الوجه في ذلك بالرغم من وجود الأبنية في مواضع الجمرات قبل ذلك العصر بوقت غير قصير هو أنه لم يكن قد تعارف بعدُ رميها بدلاً عن رمي المواضع، ولما تعارف ذلك ولاحظ الفقهاء المتأخرون خلو رواياتنا عن التصريح بكون الجمرة هي مجتمع الحصى بنى البعض على جواز رمي البناء بدعوى أن العبرة في كل زمان بما يصدق عليه عنوان الجمرة ـ كما هو أحد الوجهين في ما مرّ عن السيد صاحب المدارك (قدس سره) ـ وربما بنى بعضهم على أنه لا بأس برمي البناء، إلحاقاً له بما إذا رمى فأصاب إنسان أو جملاً ثم وقع في المرمى ـ الذي ورد النص بالاجتزاء به ـ وهذا ما يحكى عن بعض من بنى في العصر الحاضر على كون المرمى هو مجتمع الحصى لا العمود.
وبالجملة: يمكن افتراض أن الحجاج كانوا يرمون في ما مضى مجتمع الحصى في مواضع الجمرات الثلاث ثم تحولوا تدريجاً إلى رمي الشواخص التي