بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٣ - هل إن قوله تعالى
فيكون ذلك راجعاً إلى صلة خطاب المأمورين، وهو كقوله تعالى: (ثُمَّ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ) ، والمعنى: بعد ما ذكرنا لكم أخبرناكم أنا آتينا موسى الكتاب تماماً على الذي أحسن).
ومنها: ما ذكره العلامة الطباطبائي (قدس سره) من أن (الكلام بمنزلة الاستدراك، والمعنى أن أحكام الحج هي التي ذكرت غير أنه يجب عليكم في الإفاضة أن تفيضوا من عرفات لا من المزدلفة).
ومنها غير ذلك مما ذكره ابن العربي والزمخشري والآلوسي[١]، وكلها وجوه ضعيفة لما فيها من تكلف واضح.
والحاصل: أن القول الأول لا يستقيم مع ظاهر الآية الكريمة إلا أن يلتزم بالتقديم والتأخير فيها، ولكن لا حجة عليه.
وما ذكره الشيخ (قدس سره) وتبعه عليه الطبرسي[٢]من أنه (قد رواه أصحابنا) مما لا يمكن التعويل عليه في الالتزام بالتقديم والتأخير في آيات الكتاب العزيز، كما هو واضح.
وعلى ذلك فالقول الثاني هو الأوجه لولا مخالفته لصحيحة معاوية بن عمار المؤيدة بجملة أخرى من الروايات.
وقد يشكل عليه أيضاً بما حكاه الفخر الرازي[٣]من أنه (لا يتمشى إلا إذا حملنا لفظ (من حيث) في قوله: (مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) على الزمان، وذلك غير جائز، فإنه مختص بالمكان لا بالزمان).
وقد أشار بهذا الكلام إلى ما حكاه[٤]عن الضحاك في بيان القول المذكور مبنياً على كون (حيث) في الآية المباركة زمانية حيث قال: (إن المراد من هذه ـ أي الإفاضة في الآية المباركة ـ الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، وقوله: (مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) المراد بالناس إبراهيم
[١] أحكام القرآن ج:١ ص:١٩٦. الكشاف ج:١ ص:٣٤٩. تفسير الآلوسي ج:٢ ص:٨٩.
[٢] مجمع البيان في تفسير القرآن ج:٢ ص:٤٨.
[٣] تفسير الرازي ج:٥ ص:١٩٩.
[٤] تفسير الرازي ج:٥ ص:١٩٨.