بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٣٠ - حكم من أفاض من عرفات ووقف بالمزدلفة ليلاً ثم أفاض قبل طلوع الفجر متعمداً
ينبغي أن يذكر ٧ في المقطع اللاحق عنوان العالم ولا يقتصر على قوله: «وإن كان قد أفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة» . وعلى ذلك فيدور الأمر بين الوجهين الأولين ولا معين للوجه الأول من جهة المقابلة.
نعم هنا أمر، وهو أنه قد ذكر علماء البلاغة[١]أن من أساليب البديع ما يصطلح عليه بـ(الاحتباك) وهو أن يحذف المتكلم من كلٍ من جزئي الكلام ما يثبت مقابله في الجزء الآخر، وقالوا هو من أبلغ الإيجاز، ومن نماذجه قوله تعالى[٢]: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا) ، والمعنى هو الذي جعل لكم الليل مظلماً لتسكنوا فيه، والنهار مبصراً لتبتغوا فضلاً من ربكم. فحذف من كل من آيتي الليل والنهار ما أثبت مقابله في الأخرى.
وقد سماه الزركشي[٣]بالحذف المقابلي، وقال: (هو أن يجتمع في الكلام متقابلان فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه، كما في قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ) والمعنى: فإن افتريته فعلي اجرامي وأنتم برآء منه، وإن لم أكن قد افتريته فعليكم إجرامكم في تكذيبي وأنا بريء مما تجرمون).
ويمكن أن يقال: إن المقام من هذا القبيل، والمعنى: (إن كان جاهلاً وأفاض بعد طلوع الفجر فلا شيء عليه، وإن كان متعمداً وأفاض قبل طلوع الفجر فعليه دم شاة)، فحذف من الأول جملة (وأفاض بعد طلوع الفجر)، ومن الثاني كلمة (متعمداً)، لأن كلاً منهما مذكور في المقطع المقابل له.
ولكن يمكن أن يناقش في هذا البيان بأن مورد الاحتباك والحذف المقابلي هو ما إذا كان المحذوف مشخصاً بدلالة السياق عليه كما نبه عليه الزركشي، وهو واضح في مورد الآيتين المباركتين، وأما في مورد الرواية فما يعلم حذفه هو جملة (أفاض بعد طلوع الفجر) من المقطع الأول، وأما حذف كلمة (متعمداً)
[١] لاحظ الإتقان في علوم القرآن ج:٢ ص:١٦٤، وأيضاً وسائل الإنجاب الصناعية ص:١٤١.
[٢] يونس:٦٧.
[٣] البرهان في علوم القرآن ج:٣ ص:١٢٩ (بتصرف).