بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٢٣ - إذا بني على عدم تمامية الشواهد المتقدمة على كون الجمرات الثلاث أبنية ولا كونها مواضع من الأرض في عصر المعصومين فهل يمكن البناء على كونها في الزمان الحاضر هي الشواخص القائمة بالفعل؟
الحال في عصر المعصومين : فبالإمكان الرجوع إلى استصحاب القهقرى، أو ما يسمى في كلمات بعضهم بأصالة عدم النقل أو أصالة الثبات في اللغة، فإن مورد هذا الأصل هو فيما إذا أحرز كون اللفظ حقيقة في معنى معين وشك في كونه حقيقة فيه في زمن سابق عليه أيضاً أو لا، على عكس الاستصحاب المتعارف حيث يكون زمان المتيقن متقدماً على زمان المشكوك.
وعلى ذلك فالمقام مجرى لاستصحاب القهقرى، ومقتضاه هو البناء على أن لفظ (الجمرة) كما هو حقيقة في الزمان الحاضر في البناء القائم في كل واحد من المواضع الثلاثة كذلك كان حقيقة فيه في الأزمنة السابقة إلى عصر المعصومين : .
ولعل هذا هو الوجه في ما ذكره السيد صاحب المدارك (قدس سره) [١]من أنه (ينبغي القطع باعتبار إصابة البناء مع وجوده، لأنه المعروف الآن من لفظ الجمرة) أي أنه لما كان لفظ الجمرة يطلق في هذا الزمان على البناء الموجود فإذا شك في أنه كان كذلك في الزمن السابق أو لا يتعين البناء على أنه كان يطلق عليه أيضاً، فيجتزأ برميه.
وهناك وجه آخر في مفاد ما ذكره (رضوان الله عليه) وهو أن العبرة في ما يجب رميه من الجمرة في كل زمان بمصداقها العرفي في ذلك الزمان، وحيث إن مصداقها في زماننا هو البناء يتعين رميه وإن فرض أنه لم يكن في عصر المعصومين : بل كان مصداقه آنذاك موضعاً من الأرض.
ولكن كلا الوجهين ضعيف ..
أ ـ أما الوجه الأول فلأنه لا دليل على حجية الاستصحاب القهقرى أو ما يسمى بأصالة عدم النقل أو أصالة الثبات في اللغة غير ما زعم من بناء العقلاء على ذلك[٢]، وإلا فإن أخبار الاستصحاب لا تشمله كما هو موضح في علم
[١] مدارك الأحكام في شرح شرائع الإسلام ج:٨ ص:٩.
[٢] قال السيد الأستاذ (قدس سره) في بعض كلماته (مصباح الفقاهة ج:٢ ص:١٥): إن (الدليل على حجية استصحاب القهقرى في هذا المورد إنما هو بناء العقلاء وسيرة العلماء وديدن الفقهاء، لأنه لولا ذلك لانسد عليهم باب الاجتهاد وطريق الاستنباط، إذ من المحتمل القريب أن تكون الروايات في عرف الأئمة : ظاهرة في معانٍ مغايرة لما هي ظاهرة فيه فعلاً، ومن البين الذي لا ريب فيه أنه لا سبيل إلى دفع هذا الاحتمال إلا تمسكاً بالاستصحاب المذكور).