بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٧ - هل يجب زيادة على أصل الوقوف في المزدلفة ذكر الله تعالى فيها؟
مطلوبية الإتيان بذكر الله عند المشعر الحرام، ولا تقتضي أن يكون ذلك عند الوقوف فيه بقصد القربة، فلو ذكر الله تعالى قبل أن ينوي الوقوف يكون قد أتى بالمطلوب، مع أن الذين يقولون بوجوب الذكر إنما يقولون بلزوم الإتيان به عند الوقوف لا مطلقاً، فالآية الكريمة لا تصلح دليلاً لهم على مدعاهم، ولا محيص من حملها على الاستحباب على كل حال.
وأيضاً ظاهر الآية المباركة وجوب الإتيان بذكر الله تعالى بالقرب من المشعر الحرام، لأن لفظة (عند) تستخدم للقرب الزماني والمكاني، وهي هنا للقرب المكاني، والمشعر الحرام إنما هو موضع من المزدلفة ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ ومن الواضح أنه لا سبيل إلى الالتزام بوجوب الإتيان بالذكر اللساني في ذلك الموضع خاصة، بل أقصى ما هناك هو لزوم الإتيان به في المزدلفة. فهذا قرينة أخرى على لزوم حمل الآية المباركة على الاستحباب، فليتأمل.
هذا وهناك وجه آخر في مفاد الآية الكريمة، ويمكن أن يقال: إنه أحسن مما تقدم، وهو أن يكون المراد بذكر الله هو الذكر اللساني ولكن لا مطلق الذكر، بل خصوص صلاة الفجر، كما قيل بمثل ذلك في موضع آخر من القرآن المجيد، وهو قوله تعالى: (فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) ، فقد ذكر بعض المفسرين[١]أنه أريد به هناك صلاة الأمن في مقابل صلاة الخوف، فلا يستبعد أن يكون المراد به هنا صلاة الصبح، كما التزم بذلك بعض الجمهور، ومنهم ابن حزم ـ الذي تقدم أنه أوجب الذكر ـ حيث قال[٢]: (إن إدراك صلاة الفجر فيها مع الإمام هو الذكر المفترض). وعلى ذلك ينبغي أن يكون الأمر به كناية عن وجوب الوقوف في المشعر، فلا يقتضي وجوب أداء صلاة الصبح فيه ليستبعد الالتزام به، فإنه لا يشترط في الكناية تحقق المعنى المكني به بل المكني عنه، فإذا قيل: (كثِّر رمادَ
[١] التبيان في تفسير القرآن ج:٢ ص:٢٧٨. مجمع البيان ج:٢ ص:١٢٩. مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام ج:١ ص:٢٨٧.
[٢] المحلى ج:٧ ص:١٣٠.