بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٢٦ - إذا بني على كون الجمرات الثلاث أبنية أو ما بحكمها في عصر المعصومين
وأما مع عدم بقائه كذلك فهنا صور، وينبغي قبل التعرض لها الإشارة إلى ما ذكره بعض الأعلام (طاب ثراه)[١]من المناقشة في عدم بقاء ما كان من البناء في زمنهم (صلوات الله وسلامه عليهم) قائلاً: إنه (كيف نقطع بانعدام تلك الجمرة التي كانت في زمانه ٦ والحال أنه من الممكن بقاء شيء طوال سنين طويلة بل في طول قرون .. فيمكن بقاء الجمرة من ذلك الزمان إلى الزمان الحاضر لتعميرها في كل وقت).
ثم قال: (إن قلت: مع الشك في انعدامها لا طريق إلى إثبات بقائها بالاستصحاب، إذ إثبات كون الجمرة الموجودة تلك الجمرة السابقة بالاستصحاب يتوقف على القول بالإثبات ـ أي القول بالأصل المثبت ـ الذي لا نقول به، فإن استصحاب بقاء ما كان في زمن النبي ٦ إلى هذا الزمان يستلزم عقلاً أن هذا الموجود عين ما كان في ذلك الزمان، والمقرر عدم اعتبار الإثبات في الاستصحاب.
قلت: يمكن أن يقال: بأن الإنسان يطمئن ببقائها، إذ لو انهدمت لبان وظهر، فإنها من قوام دين الإسلام، فكيف يمكن أن يبقى تحت الستار؟!).
وهذا الكلام من الغرائب التي لم يكن يتوقع صدورها منه (قدس سره) ، إذ يلاحظ أنه لم يكتف فيه بدعوى احتمال بقاء الجمرة التي كانت في عهد النبي ٦ إلى زماننا هذا حتى ادعى الاطمئنان بذلك، بزعم أنه لو كان قد انهدم لبان وظهر، لأنها من قوام الدين. مع أن كل من له أدنى إلمام بتاريخ المشاعر المقدسة يعلم علم اليقين أنه لم يبق من الأبنية التي كانت في عصر النبي ٦ شيء إلى الأزمنة المتأخرة، حتى إن الكعبة المعظمة قد جُدّد بناؤها وكذلك المسجد الحرام ومسجد النبي ٦ ولم يبقَ فيها شيء من ذلك العصر، بل إن الحجر الأسود الذي لم يكن بناءً لكي يكون في معرض التفتت والانهدام بعوامل طبيعية بل مجرد قطعة من الحجر الصلد لم يبق منه إلا قطع صغيرة جداً ربطت بالشمع ونحوه وجعل لها إطار فضي، فكيف لقائل أن يدعي احتمال بقاء الجمرة بعينها
[١] مصباح الناسك في شرح المناسك ج:٢ ص:٢٨٧ـ٢٨٨ (بتصرف يسير).