بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٩٧ - الثاني بعض كلمات المؤرخين
ب ـ وذكر الأزرقي[١]وتبعه غيره: أن في سنة (٢٤١) بعث المتوكل العباسي إسحاق بن سلمة الصائغ إلى مكة، ومما قام به أنه (أحكم العقبة وجدرانها وأصلح الطريق التي سلكها رسول الله ٦ من منى إلى الشعب ومعه العباس بن عبد المطلب، وكانت هذه الطريق قد عفت ودرست فكانت الجمرة زائلة عن موضعها، أزالها جهّال الناس برميهم الحصى وغفل عنها حتى أزيحت من موضعها شيئاً يسيراً من فوقها، فردها إلى موضعها التي لم تزل عليه، وبنى من ورائها جداراً أعلاه عليها، ومسجداً متصلاً بذلك الجدار، لئلا يصل إليها من يريد الرمي من أعلاها، وإنما السنة لمن أراد الرمي أن يقف من تحتها من بطن الوادي).
وموضع الاستشهاد من هذا الكلام هو قوله: (فكانت الجمرة زائلة عن موضعها، أزالها جهال الناس برميهم الحصى)، فإنه يمكن أن يقال: إن الجمرة لو كانت بناءً أو عموداً حجرياً أو نحو ذلك فإن حصى الرمي لا تزيلها عن موضعها، نعم يمكن أن تؤدي إلى تفتتها وانهدامها إذا كانت الحصى كباراً، وإلا فهي لما كانت تقع في أطراف البناء أو العمود فإنها تؤدي بطبيعة الحال إلى تثبيته في مكانه بتراكمها واجتماعها في أطرافه.
وبالجملة: قوله: (أزالها جهال الناس برميهم الحصى) يناسب أن تكون الجمرة مجتمع الحصى، فإن الحجاج إذا لم يعرفوا بالضبط أين هو موضع الرمي ورموا على بعض جوانبه تتراكم الحصى في ذلك الجانب، وشيئاً فشيئاً يتوهم أنه هو المرمى والجمرة، وهذا هو معنى إزالة الجمرة عن موضعها برميهم الحصى.
أقول: لو سُلِّم أن المقطع المذكور من عبارة الأزرقي إنما يناسب كون الجمرة مجتمع الحصى لا بناءً قائماً في الموضع، فإن قوله في المقطع اللاحق: (حتى أزيحت من موضعها شيئاً يسيراً من فوقها، فردها إلى موضعها التي لم تزل عليه) لعله أنسب بكون الجمرة عموداً حجرياً أو نحوه، مع أن عبارته برمتها لا تخلو من بعض الاضطراب، ولم يظهر المراد بقوله: (أزيحت من موضعها شيئاً يسيراً
[١] أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار ج:١ ص:٣٠٣.