انوارالاصول - القدسي، أحمد - الصفحة ٦١٧
هذا القبيل ملكة الاجتهاد , فانها كسائر الملكات تدريجى الحصول لا
تصل الى مرتبة اعلى الا بعد العبور عن المرتبة الادنى , ولا تتحقق ملكة
الاجتهاد فى المسائل المعقدة المشكلة الا بعد حصول القدرة على استنباط
المسائل الساذجة , كما انه كذلك فى مثل ملكة المشى و التكلم للصبى التى
تبتدأ من مراحل ساذجة الى مراحل معقدة , و هكذا فى القدرة على الطبابة ,
فانها تبتدأ من المعالجات البسيطة الى مراحل معقدة عميقة , بل قد يكون
الاجتهاد المطلق فى بعض المعلوم الجديدة كالطب من المحالات , فان كل
طبيب يمكن له ان يجتهد و يستنبط فى مجال خاص من الطبابة .
ان قلت : ان قياس ملكة الاجتهاد فى المسائل الفقهية بسائر
الملكات مع الفارق , لان مدارك الاستنباط و اصوله و قواعده فى باب
من الفقه متحدة للاصول الجارية فى ابواب اخر .
قلنا : انه كذلك , و لكن يمكن التفكيك فى المسائل الاصولية ايضا
من حيث الصعوبة و السهولة , فيتطرق التقسيم و التجزى فيها , ولا اشكال
حينئذ فى ورود التجزى الى المسائل الفقهية التى تنطبق عليها , فمثلا
مسئلة اجتماع الامر و النهى من المسائل المشكلة فى الاصول , و من لا يقدر
على حلها و الاجتهاد فيها لا يقدر عما يرتبط بها من الفروعات الفقهية
فى باب الصلاة و الصوم و الحج و غيرها .
هذا اولا , و ثانيا : قد مر ان الاحاطة بعلم الاصول وحده لا يكفى
لحصول ملكة الاجتهاد , بل لا بد من التمرين و الممارسة , ولا ريب فى ان
للممارسة مراحل مختلفة و درجات متفاوته , و بحسبها يتجزى
الاجتهاد فى الفقه , و هذا ما ذكرنا من ان الاجتهاد المطلق يستحيل عادة
من دون العبور عن الاجتهاد المتجزى .
و قد يقال : ان الوصول الى الاجتهاد المطلق من دون طى مرحلة التجزى يلزم منه الطفرة التى قضى العقل ببطلانها .
ولكن يمكن الجواب عنه ان المراد من الطفرة تقديم ما هو فى رتبة
متأخرة او بالعكس , كتقديم ذى المقدمة على المقدمة , و المعلول على
العلة , و مثل رفع الاقدام