انوارالاصول - القدسي، أحمد - الصفحة ٣٠
و اما بالنسبة الى الثانى منهما فلانه اذا لم يعذبهم فى الدنيا
فعدم تعذبيه فى الاخرة بطريق اولى , و هو عذاب يدوم بقائه ولا يحفف عن
اهله , و الشاهد عليه الاية اللاحقة و هى قوله تعالى ﴿ و اذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ﴾ .
الرابع : ( أن اقصى ما تدل عليه الاية المباركة هو ان المؤاخذة و
العقوبة لا تحسن الا بعد بعث الرسل و انزال الكتب و تبليغ الاحكام و
التكاليف الى العباد , و هذا لا ربط له بما نحن فيه من الشك فى التكليف
بعد البعث و الانزال والتبليغ , و عروض اختفاء التكليف لبعض
الموجبات التى لا دخل للشارع فيها( ( ١ ) .
والجواب عنه ان بعث الرسل فى الاية كناية عن اتمام الحجة كما مر ,
فتدل على نفى العذاب ما لم تتم الحجة بعد البعث , و الشاهد
عليه قوله تعالى فى الاية اللاحقة : ﴿ و اذا اردنا ان نهلك قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول . . . ﴾
حيث انها تدل على ان الميزان فى العذاب انما هو صدور الامر و وقوع
الفسق بعده , كما يشهد عليه ايضا مامر من قوله تعالى فى سورة القصص :
﴿ و ما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى امها رسولا يتلوا عليهم آياتنا . . . ﴾ لانها تصرح بان الملاك هو تلاوة الايات لامجرد البعث .
الخامس : النقض بالمستقلات العقلية , فانه لا اشكال ( كما مرفى
بعض الابحاث السابقة ) فى تعذيبه تعالى على ترك المستقلات العقلية ,
كقبح قتل النفس المحترمة و السرقة والخيانة و غيرها من المعاصى التى
يحكم بقبحها العقل مستقلا , ولو وقعت قبل بعث الرسل .
و الجواب عنه ان الاية منصرفة الى احكام تحتاج الى البيان , ولا
حاجة الى البيان فى المستقلات العقلية التى لا يصح فيها الاعتذار
بقولهم (( لولا ارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك من قبل ان نذل و نخزى ﴾
, و لذلك يقال فى مباحث العقايد ان من فوائد وجود النبى ( ص )
تأكيده المستقلات العقلية و التأسيس بالاضافة الى غيرها .
١ فوائد الاصول , ج ٣ , ص ٣٣٣ .