انوارالاصول - القدسي، أحمد - الصفحة ٢٧٣
و اما القول الرابع ( و هو مختار شيخ الشريعة ) فهو ان تكون (
لا( ناهية ويراد من الحديث النهى عن الضرار الناس بعضهم ببعض ,
نظير قوله تعالى ( لا رفث ولا فسوق ولا جدال( الذى ينهى عن الرفث و
الفسوق و الجدال فى الحج , و قول السامرى ( لا مساس( اى ( لا تمسنى( ,
و نتيجة هذا القول ايضا سقوط القاعدة عن حكومتها على سائر الاحكام و
تنزلها الى مجرد نهى تكليفى عن اضرار الناس بعضهم ببعض , كما ان قوله
تعالى : ﴿ و لا يغتب بعضكم بعضا ﴾ ينهى عن الغيبة فحسب , فيخرج حينئذ عن نطاق القواعد الفقهية الى حكم فرعى خاص .
و اما القول الخامس ( و هو ما ذهب اليه فى تهذيب الاصول ) فهو ان
تكون ( لا( ناهية ايضا لكن بان يكون النهى نهيا سلطانيا صدر عن رسول
الله ( ص ) بما هو سائس الملة و سلطانها , و قال فى توضيح مرامه ما حاصله :
( ١ ) ان للنبى الاكرم مقامات ثلاثة : الاول مقام الافتاء و بيان
الاحكام الشرعية , الثانى منصب القضاء و فصل الحصومة , الثالث مقام
السلطنة الالهية ( وما يسمى اليوم بولاية الفقيه , و هو مقام اجراء ( ٢ )
الاحكام الالهية التى ترتبط بالحكومة , والاحكام الحكومية السلطانية ) و
قاعدة لا ضرر داخلة فى القسم الثالث فهى مجرد حكم سلطانى صدر من
١ راجع تهذيب الاصول , ج ٣ , ص ١١٢ .
٢ كما صرح به فى كتاب البيع ( ج ٢ , ص ٤٦١ ) و اليك نص كلامه
بالحرف : ( فالاسلام اسس حكومة لا على نهج الاستبداد المحكم فيه رأى
الفرد . . . بل حكومة تستوحى و تستمد فى جميع مجالاتها من القانون
الالهى , و ليس لاحد من الولاة الاستبداد برأيه , بل جميع ما يجرى فى
الحكومة و شؤونها و لوازمها لا بد و ان يكون على طبق القانون الالهى
حتى الاطاعة لولاة الامر , نعم للوالى ان يعمل فى الموضوعات على طبق
الصلاح للمسلمين . . . و نفس بقاء تلك الاحكام ( الاحكام المتعلقة
بالماليات او السياسيات او الحقوق ) يقضى بضرورة حكومة و ولاية تضمن
حفظ سيادة القانون الالهى و تتكفل لاجرائه , و لا يمكن اجراء احكام
الله الا بها , لئلا يلزم الهرج و المرج , مع ان حفظ النظام من الواجبات
الاكيدة و اختلال امور المسلمين من الامور المبغوضة , ولا يقوم ذا ولا يسد
عن هذا الا بوال و حكومة . مضافا الى ان حفظ ثغور المسلمين عن التهاجم و
بلادهم عن غلبة المعتدين واجب عقلا و شرعا , ولا يمكن ذلك الا بتشكيل
الحكومة , و كل ذلك من اوضح ما يحتاج اليه المسلمون( . . . فتلاحظ ان
وظيفة الفقيه الحاكم اجراء الاحكام الالهية ( التى منها حفظ النظام و حفظ
ثغور المسلمين ) و تشخيص موضوعات الاحكام و تعيين حدودها , فتدبر
جيدا , و اطلب تفصيل الكلام من محله و هو دراساتنا فى البيع ( كتاب
انوار الفقاهة , ج ١ ) .