انوارالاصول - القدسي، أحمد - الصفحة ٤٨٦
و جريان الثانى ( الاصول غير المحرزة ) فى اطراف العلم الاجمالى دون
الاول بان المجعول فى الاصول المحرزة ( كالاستصحاب و قاعدة الفراغ و
التجاوز و اصالة الصحة ) هو البناء العملى على ثبوت الواقع فى
احد طرفى الشك و تنزيله عملا منزلة الواقع , ولا يخفى ان التعبد ببقاء
الواقع فى كل واحد من اطراف العلم الاجمالى ينافى العلم الوجدانى بعدم
بقاء الواقع فى احدها , و كيف يعقل الحكم ببقاء النجاسة مثلا فى كل
واحد من الانائين مع العلم بطهارة احدهما , و مجرد انه لايلزم من
الاستصحابين مخالفة عملية لا يقتضى صحة التعبد ببقاء النجاسة فى كل منهما
فان الجمع فى التعبد ببقاء مؤدى الاستصحابين ينافى و يناقض العلم
الوجدانى بالخلاف , و هذا بخلاف الاصول غير المحرزة فانه لما كان
المجعول فيها مجرد تطبيق العلم على احد طرفى الشك فلا مانع من التعبد
بها فى اطراف العلم الاجمالى اذا لم يلزم منها مخالفة عملية ( ١ ) .
و يرد عليه اولا ما مر كرارا من انا لا نقبل تقسيم الاصول الى
المحرزة و غير المحرزة ولا نفهم له معنا محصلا فان مفاد الدليل اذا
كان هو التنزيل منزلة الواقع فهو امارة ( سواء اخذ الشك ظاهرا فى
موضوعه ام لم يؤخذ ) و ان لم يكن مفاده كذلك فهو اصل عملى .
و ثانيا : سلمنا , ولكن المقتضى و هو اطلاقات ادلة الاستصحاب تام
فى كلا القسمين حيث ان المفروض عنده ان اليقين فى الاستصحاب يقين
تعبدى لا حقيقى , و اليقين التعبدى بكلا طرفى الشك لا ينافى العلم
الاجمالى الحقيقى بكذب احدهما , فهو نظير البينتين المتعارضتين او
الخبرين المتعارضين اللذين بجريان كلاهما ثميتساقطان بالتعارض بحسب
القاعدة .
فظهر ان الصحيح ما ذهب اليه الشيخ الاعظم من عدم جريانهما رأسا ,
ولكن لا لتناقض صدر الحديث مع ذيله كما ذكره , بل من باب الانصراف
كما ذكرنا .
١ راجع فوائد الاصول , ج ٤ , ص ٦٩٢ و ص ٦٩٣ .