انوارالاصول - القدسي، أحمد - الصفحة ٣٠٣
فتارة : يكون التعارض بين الضررين بالنسبة الى مالكين , كما فى
مثال ادخال الدابة رأسها فى قدر مالك آخر , او بالنسبة الى غير المالك ,
كما اذا كان تغيير مسير نهر عام موجبا للاضرار بقرية , و عدم تغييره
موجبا للاضرار بقرية اخرى , ففى هذه الصورة ايضا اما ان تجرى القاعدة فى
الطرفين ثم تتساقط , او لا تجرى رأسا من باب ان ادلة القاعدة منصرفة
عنها , لانها حكم امتنانى ولا امتنان فيها , فلا بد حينئذ من الرجوع
الى قاعدة عقلائية اخرى , و هى قاعدة العدل و الانصاف , او قاعدة
الجمع بين الحقين , فيتعين احد الضررين بالقرعة ثم تقسم الخسارة بين
الطرفين , نعم هذا اذا لم يكن احدهما مقصرا , والا فعلى المقصر تحمل
الخسارة كلها .
هذا كله اذا كان الضرران متساويين , و اما اذا كان احدهما اقوى من
الاخر فليس المرجع حينئذ القرعة , بل لا بد فيه من الاخذ بالاضعف
و تعيين مقدار الخسارة فيه , ثم تقسيمها بينهما , كما اذا كان اخراج
الدابة عن الدار متوقفا على قلع باب الدار فحسب اذا كانت قيمة
الدابة اكثر من خسارة قلع الباب و نصبه ثانيا .
هذا هو الصورة الاولى , و العجب كيف لم يتعرض الفقهاء الى لزوم تقسيم الخسارة فيها بين الطرفين .
و اخرى : يكون التعارض بين ضرر مالك و غير المالك , و الامثلة
المذكورة لهذه الصورة اكثرها خارجة عما نحن فيه , كمثال جعل دار مطبخة او
مدبغة او بيت حداد فى سوق العطارين , فانها ليست مشمولة لقاعدة السلطنة
عند العقلاء حتى نحتاج الى تضييقها بقاعدة لا ضرر , لان قاعدة السلطنة
قاعدة عقلائية , لها حدود و قيود و نطاق معلوم , و من تجاوز عنها عد
متجاوزا عن حقه الى حقوق الاخرين , فليست القاعدة عندهم مطلقة من جميع
النواحى , و من الواضح ان ما ورد فى لسان الشرع بالنسبة الى هذه القاعدة
يكون امضاء لما عند العقلاء بما لها من الحدود و القيود .
و كيف كان : ففى هذه الصورة تارة يوجب عدم تصرف المالك ضررا
بنفسه او فوت منفعة له , كما اذا كان محل نصب المدفأة مثلا فى جنب
جدار الجار , و متصلا بغرفة نومه , بحيث يوجب الاضرار بالجار من جانب ,
ولا يكون له مكان آخر للنصب