انوارالاصول - القدسي، أحمد - الصفحة ٢٧٨
المكلفين بعضهم ببعض , اى لا يمضيه الله تبارك و تعالى ولا يجيزه ,
فيكون نهيا بلسان النفى , اى النفى كناية عن النهى و عن عدم الامضاء , و
هذا مما نعرفه بالرجوع الى ارتكازاتنا العرفية العقلائية و مما نعهده
بين التراكيب المتداولة فى اللغة العربية و فى غيرها من الالسنة , نظير
ما مر آنفا من قول الرجل لخادمه :( ليس فى بيتى الكذب و
الخيانة( كناية عن ان مثل هذه الامور مما لا ينبغى له ارتكابه فى بيته
ابدا , و نظير ما تداول فى يومنا هذا من قولك ( ليس فى مكتبنا او فى
قاموسنا كذا و كذا( .
و النتيجة حينئذ شمول هذه القاعدة اولا للاحكام التكليفية و
الوضعية معا , و ثانيا حكومتها على سائر الادلة كما هو كذلك فى بعض
الاقوال الاخر , و ان كان الفرق بينه و بينها عدم شمول هذا القول للاحكام
الضررية فى العبادات كالوضوء الضررى و الحج الضررى و الصوم الضررى و
فى التوصليات كتطهير المسجد اذا كان التطهير منشأ للضرر , بالجملة عدم
شموله لتمام الموارد التى ليس الضرر فيها من ناحية احكام الشرع , و بهذا
يظهر انه يمكن ان يعد هذا قولا سادسا فى معنى القاعدة .
ان قلت : فكيف افتى الفقهاء بعدم صحة العبادات الضررية مثل الصوم و الوضوء الضرريين ؟
قلنا : ان قدماء الاصحاب بل و كثير من متأخريهم استندوا فيها
بقاعدة لا حرج , ولم يستندوا الى قاعدة لا ضرر , مع استدلالهم بها فى
ابواب المعاملات مثل خيار الغبن و غيره مما يرجع الى اضرار الناس بعضهم
ببعض , فهذا هو شيخ الطائفة فى كتاب الطهارة من الخلاف ( ١ ) , و
المحقق فى المعتبر ( ٢ ) و العلامة فى التذكرة و صاحب المدارك فى
المدارك كلهم استندوا فى مسئلة الوضوء الضررى بقوله تعالى ﴿ ما جعل عليكم فى الدين من حرج ﴾
و لم نراستنادهم الى قاعدة لا ضرر فى هذه المسألة و فى غيرها من ابواب
العبادات الضررية و غيرها من التكاليف التى تكون من حقوق الله ,
١ المسألة ١١٠ : الجبار و الجراح و الدماميل و غير ذلك اذا
امكن نزع ما عليها و غسل الموضع وجب ذلك , فان لم يتمكن من ذلك بان
يخاف التلف او الزيادة فىالعلة , مسح عليها و تمم و ضوئه وصلى , ولا
اعادة عليه . . . دليلنا قوله تعالى : و ما جعل عليكم فى الدين
من حرج .
٢ راجع ما ذكرنا من عباراتهم فى كتابنا القواعد الفقهية , ج ١ , ص ٦٤ .