مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - الآملي، الشيخ محمد تقى - الصفحة ١٤١ - مسألة(٨) إذا نذر ان يحج و لم يقيده بزمان
عليه ان يأتي به فورا" أو في هذا العام، و اما لو كان متعلق النذر مطلق الحج فيكون الدين أو الحق متعلقا" بمطلق الحج لا الحج في أول عام، فإطلاق الدين بمنزلة الاذن في التأخير.
فهذه الأدلة لا يثبت بها وجوب الفور في الحج المنذور، و لكن الحق عدم جواز التأخير إلى حد التهاون و ترك الاهتمام و تقديم كل أمر دنيوي عليه، و قد حكى في الجواهر عن بعضهم انه جعل الغاية في الأوامر المطلقة الوصول الى حد التهاون عرفا"- و هو كما قال- و عليه فالحق حينئذ عدم جواز تأخير الحج المنذور من سنة الى أخرى مع التمكن من إتيانه فيما إذا صدق على تأخير التسويف و التساهل و التهاون لو لم يكن إجماع على جوازه.
(الأمر الثاني) الحق انه لو مات قبل الإتيان به في صورة جواز التأخير لا يكون عاصيا"، و لكن قال في الجواهر: قد يقال باستحقاقه العقاب بالترك تمام عمره مع التمكن منه في بعضه و ان جاز له التأخير في طول زمان التمكن الى زمان بظن بعده بعدم التمكن منه، فان جواز ذلك له انما هو بمعنى عدم العقاب عليه في التأخير إذا اتى به متأخرا" كمن أخر الصلاة المفروضة من أول وقتها و لكن اتى بها في أخر وقتها بحيث أدرك الوقت، لا إذا صادف عدم التمكن رأسا" بحيث ادى التأخير إلى ترك الواجب.
(أقول) و لعل تمام التحرير في ذلك موكول الى علم الكلام، و ليس ذلك من مسائل الفقه إذ لا أثر عملي لهذا البحث بعد مسلمية جواز التأخير إلا حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل، فإنه على القول باستحقاق العقاب في مفروض المسألة فتكون العقوبة محتملة في التأخير لاحتمال مفاجاة الموت فيكون التأخير غير جائز عقلا"، و هذا غير النهي الشرعي الذي يستحق المكلف بمخالفته العقوبة، و قد وقع البحث في علم الكلام فيما يستحق به العبد العقوبة و انه هل هو العصيان أو مجرد الطغيان، و يترتب على الأخير استحقاق العقاب على فعل المتجرى به حيث انه لا يكون هناك عصيان و لكنه طغيان (و كيف كان) فما نقله في الجواهر عن بعضهم من استحقاق العقوبة في المسألة ضعيف لا يلتفت اليه رفع الله عنا استحقاق العقاب بما عصيناه، بلطفه.
(الأمر الثالث) إذا قيد الحج في نذره بسنة معينة فمع تمكنه من إتيانه في تلك السنة لا يجوز له التأخير عما عينه، فلو أخر عصى و وجب عليه الكفارة و عليه القضاء، و لو مات و ترك الحج وجب القضاء عنه من ماله، اما عدم جواز التأخير عما عينه فواضح فإنه مقتضى نذره و كذا وجوب الكفارة عليه بالتأخير، و اما وجوب القضاء عليه في حيوته و وجوب إخراجه من ماله بعد وفاته فقد قال في الجواهر انه مما لا يوجد فيه خلاف بل هو مقطوع به في كلام الأصحاب كما- اعترف به في المدارك (و استدلوا له) بعد دعوى الإجماع بأن الحج واجب مالي ثابت في الذمة كسائر الديون فيجب على من هو ثابت في ذمته تفريغ ذمته عنه حيا"، و مع عدمه وجب تأديته