بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٣٩ - في بيان الحدّ الفاصل بين الحاضر وبين النائي
وفي أطرافه نظير قول لبيد:
أبَني كِلابٍ كَيفَ يُنْفَى جَعْفَر * * * وبَنُو ضُبَيْنَة َ حاضِرُو الأجبابِ
والأجباب ماء معروف لبني ضبينة [١] .
هذا من جانب، ومن جانب آخر فإنه لا يراد بمن ((لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)) من يكون أهله في مكان آخر بعيد عن المسجد الحرام وإن لم يسكن فيه معهم وإنما سكن عند المسجد الحرام بل المراد من يكون من سكنة ذلك المكان، والوجه في التعبير بذلك هو أن الإنسان يسكن عادة حيث يسكن أهله.
وعلى ذلك فالمقصود بمن ((لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)) هو من لم يكن من أهل مكة في مقابل من هو من أهلها والمتوطنين بها. وأما من هو من سكنة ضواحيها وأطرافها فالظاهر عدم صدق كونه من حاضري المسجد الحرام، خلافاً لما يظهر من بعض الأعلام (طاب ثراه) حيث قال [٢] : (إن هذه اللفظة ــ أي أهل مكة ــ تستعمل في المحاورات على معنى خاص مضيق ومعنى عام موسع، إذ قد تطلق هذه اللفظة ويراد منها من يكون متوطناً في مكة نفسها، وقد تطلق ويراد منها من يكون غير منقطع الارتباط عنها إما بتوطنه فيها أو إقامته في ناحية من نواحيها، فصح إطلاق (أهل مكة) وكذا لفظة (مكي) على كل منهما، كما يقال لمن أراد السفر إلى قرية من قرى بلدة عظيمة: إنه سافر إلى تلك البلدة العظيمة، وإن عُلِم أنها بنفسها لم تكن مقصودة له).
ولكن ما أفاده غير تامٍ، فإن إطلاق كون فلان من أهل النجف مثلاً إذا كان هو من أهل بعض النواحي والقرى التابعة لها إنما هو على سبيل المجاز وبالعناية، ولا يُحمل اللفظ عليه بلا قرينة. نعم قد يكون لأسماء بعض المدن إطلاق آخر كـ(بيروت) حيث قد تطلق ويراد بها ما يسمى بـ(بيروت الكبرى) الشاملة لمدينة بيروت والنواحي والأقضية التابعة لها، ولكن في مثله لا بد أيضاً
[١] لاحظ معجم البلدان ج:٢ ص:١٠٠.
[٢] كتاب الحج (تقريرات المحقق الداماد) ج:١ ص:٣٦٤ (بتصرف يسير).