بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٤٠ - هل كون النسبة بين دخول مكة ودخول الحرم هي العموم من وجه تقتضي ثبوت حكم مستقل لكل منهما بعنوانه؟
(أحدهما): أنه لا ينحصر تصوير ثبوت حكم واحد في المقام في ما ذكر من كون متعلق الحرمة هو دخول المنطقة التي تسمى بعضها أو كلها بالحرم ويسمى بعضها بمكة بلا إحرام ليقال: إنه لا ينسجم مع إطلاق نصوص الباب، بل هناك تصوير آخر وهو كون متعلق الحرمة هو الدخول بلا إحرام في ما يعدّ جزءاً من الحرم أو مكة، أي ما ينطبق عليه أحد العنوانين من الحرم أو مكة على سبيل منع الخلو، فلو دخل الحرم بلا إحرام ثم دخل مكة كذلك أو فعل العكس ارتكب إثمين لمخالفته للحكم المذكور مرتين، ولو دخل الحرم ومكة في وقت واحد ارتكب إثماً واحداً لمخالفته للحكم مرة واحدة فقط.
(ثانيهما): أن ثبوت حكمين في المقام بحيث يكون الداخل في مكة وفي الحرم في وقت واحد مرتكباً لحرامين بعيد عن المرتكزات ويستبعد الالتزام به، وإلا يلزم القول في من أصاب طيراً في ما يقع من مكة في الحرم أو قطع شجراً أو التقط لقطة في هذا الجزء من الحرم أنه قد ارتكب إثمين، فإنه كما ورد بشأن مكة أنه يحرم قطع شجرها والتقاط لقطتها إلا لمنشد ــ كما مرَّ ــ كذلك ورد مثله بالنسبة إلى الحرم، ففي صحيح زرارة [١] قال: سمعت أبا جعفر ٧ يقول: ((حرّم الله حرمه بريداً في بريد، أن يختلى خلاه ويعضد شجره ــ إلا شجرة الإذخر ــ أو يصاد طيره)).
فلو بني على ثبوت حكمين في مثل ذلك ــ ولا سيما مع ورود كلا العنوانين (مكة) و(الحرم) في كلام الإمام ٧ ــ لاقتضى ذلك أن من يصيب طيراً ــ مثلاً ــ في مكة في الجزء الذي يقع في الحرم أن يكون مرتكباً لإثمين إثم ارتكاب الصيد في الحرم وإثم ارتكاب الصيد في مكة، وهذا مما هو بعيد عن المرتكزات، ولم يظهر من الفقهاء (قدَّس الله أسرارهم) الالتزام به.
ويمكن أن يوجه استبعاده بحسب المرتكزات بأن من المعلوم أن حرمة الدخول بلا إحرام إنما هو من جهة قدسية المكان وما يحظى به من الاحترام عند الشارع المقدس، ومن المعلوم أن القدسية بالدرجة الأولى إنما هي للكعبة المعظمة
[١] تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٣٨١.