بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٩٧ - هل العبرة في مبدأ المسافة بما كان من مكة أو المسجد الحرام على عهد رسول الله
أقول: أما الرواية الأخيرة فلا تدل على شيء سوى تعيين بعض حدود مكة من أعلاها وأسفلها في زمن النبي ٦ ، ولعل غرضه ٧ من بيان موضع دخوله ٦ إلى مكة وموضع خروجه منها الإيعاز إلى استحباب الدخول من أعلى مكة والخروج من أسفلها لمن أتاها من المدينة تأسياً بسنته ٦ ، كما دلَّت عليه موثقة يونس بن يعقوب [١] قال: قلت لأبي عبد الله ٧ : من أين أدخل مكة وقد جئت من المدينة؟ فقال: ((ادخل من أعلى مكة، وإذا خرجت تريد المدينة فاخرج من أسفل مكة)).
وكيفما كان فلا إشعار في هذه الرواية ــ فضلاً عن الدلالة ــ إلى اختصاص الأحكام المترتبة على مكة بالقديمة منها.
وأما الرواية الأولى فهي أيضاً قاصرة الدلالة عن إثبات مرامه (قدس سره) ، لأن مفادها أن على المتمتع أن يقطع التلبية عند وصوله إلى الموضع الذي يرى منه بيوت مكة بالحدود التي كانت موجودة في عهد النبي ٦ . والظاهر أن بيوت مكة لم تلاحظ في هذا الحكم على وجه الموضوعية بحيث ينتفي موضوعه إذا لم تكن في مكة القديمة بيوت كما لعله كذلك في الزمان الحاضر، بل ملحوظة مرآة لقدر خاص من البعد عن المسجد الحرام، فليتأمل.
وكيفما كان فلا دلالة في الرواية على أن جميع الأحكام المترتبة على مكة مختصة بمكة القديمة، ولا يصح التعدي من موردها إلى سائر الأحكام من دون شاهد على ذلك؟!
بل يمكن إقامة الشاهد على خلافه، وهو أن مكة المكرمة شأنها شأن كثير من المدن الأخرى كانت تتطور وتتوسع منذ عهد رسول الله ٦ واستمر بها الأمر كذلك إلى زماننا هذا، وقد كانت في عهد الصادقين ٨ أوسع مما كانت عليه في عهد النبي ٦ كما دلت على ذلك صحيحة معاوية بن عمار نفسها، ومع ذلك لم ينبه الإمام ٧ في شيء من الروايات المتضمنة للأحكام المترتبة عليها على اختصاص تلك الأحكام بمكة القديمة إلا في قطع التلبية، ولو كان
[١] الكافي ج:٤ ص:٣٩٩.