بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٩١ - هل الأصل العملي في المقام هو الاحتياط؟
يجري استصحاب عدم نسخ وجوب الإفراد أو القِران، وذلك لأنه كان الواجب على كل مستطيع قبل تشريع المتعة هو الجامع بين حجي الإفراد والقِران ولما شرِّع التمتع في أثناء حجة الوداع نسخ الحكم المذكور بالنسبة إلى غير الحاضر، فمع الشك في شمول عنوان الحاضر للساكنين في ما بين الثمانية عشر ميلاً إلى الثمانية والأربعين ميلاً يشك في نسخ الحكم المذكور في حقهم فمقتضى الاستصحاب بقاؤه، وتكون النتيجة هي ما ذهب إليه مشهور المتأخرين من وجوب القِران أو الإفراد على من يسكن إلى مسافة ثمانية وأربعين ميلاً ووجوب المتعة على غيرهم، وليس ذلك استناداً إلى صحيحة زرارة لابتلائها بالمعارض بل استناداً إلى استصحاب عدم النسخ.
اللهم إلا أن يقال: إن استصحاب عدم النسخ يواجه إشكالاً محرراً في محله من علم الأصول، وهو أن الحكم الإنشائي المجعول على نحو القضية الحقيقية وإن لم يكن أمراً آنياً متصرم الوجود بل إن له وجوداً بقائياً بحسب الاعتبار العقلائي إلى انتهاء أمده، ولذلك لو شك في سعة الجعل وكون المنشأ هو وجوب القِران أو الإفراد بالنسبة إلى سكنة المنطقة المذكورة إلى نهاية الدنيا أو إلى السنة العاشرة من الهجرة فلا مانع من استصحاب بقاء الحكم الإنشائي في حدّ ذاته إلا أن هذا الاستصحاب الوجودي معارض باستصحاب عدمي وهو استصحاب عدم جعل الحكم المذكور زائداً على الزمان المتيقن، ونتيجة تعارض الاستصحابين تساقطهما وعدم ثبوت استمرار الحكم الإنشائي إلى الزمان المشكوك.
وهذا غير إشكال تعارض استصحاب بقاء الحكم المجعول واستصحاب عدم الجعل الذي لأجله ذهب جمع منهم السيد الأستاذ (قدس سره) إلى عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية فإن ذاك من قبيل التعارض بين استصحاب بقاء الحكم الفعلي واستصحاب عدم الجعل والمحقق في محله عدم جريان الثاني لكونه مثبتاً، وأما هنا فالتعارض بين استصحاب بقاء الحكم الإنشائي واستصحاب عدم إنشائه لأزيد من المدة المعلومة ولا مانع من جريان الثاني في حدّ ذاته