بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٧٤ - النصوص الواردة في تمييز الحاضر عن النائي
بمن يكون منزله في ما دون المواقيت وفي ما دون ثمانية وأربعين ميلاً في الوقت نفسه، وهذا خلاف ما هو المدعى من العمل بإطلاق صحيحة زرارة.
ولو بني على تقييد صحيحة الحلبي بصحيحة زرارة ولا عكس، فهو ــ مضافاً إلى خلوه من الدليل ــ يقتضي أن لا يكون لوجود منزل المكلف في ما دون المواقيت دور في ثبوت الحكم المذكور. وهو مما لا يمكن الالتزام به، فإن العنوان المأخوذ في لسان الدليل مما لا يمكن رفع اليد عنه بالمرة، وإنما يمكن أن يضاف إليه قيد بحيث يعدّ جزءاً من الموضوع كما مرَّ مراراً.
وبما تقدم يظهر الجواب عما قيل [١] من: (أن صحيحة الحلبي إنما تدل على أن المراد بحاضري المسجد الحرام هو من كان منزله دون المواقيت بدون تحديد المسافة بينه وبين مكة وتعيينها كماً، فتكون صحيحة زرارة التي هي محددة بتلك المسافة بينهما وتدل على أنها لا تقل عن ثمانية وأربعين ميلاً، حاكمة عليها ومبينة للمراد مما دون المواقيت فيها، وأنه عبارة عن هذه المسافة المحددة، تطبيقاً لقاعدة حمل المجمل على المبين).
فإنه لا إجمال في صحيحة الحلبي، بل المراد منها واضح، كما أن النسبة بين العنوانين هي العموم من وجه فلا تصلح صحيحة زرارة لأن تكون مبينة للمراد من صحيحة الحلبي لو فرض إجمالها.
الوجه الخامس: أنه لما كانت النسبة بين عنوان (ما دون المواقيت إلى مكة) المذكور في صحيحة الحلبي وعنوان (ما دون ثمانية وأربعين ميلاً إلى مكة) المذكور في صحيحة زرارة هي العموم والخصوص من وجه ــ كما مرَّ آنفاً ــ فالمقام من قبيل ما إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء، كما في قضيتي (إذا خفي الأذان فقصّر) و(إذا خفيت الجدران فقصّر)، حيث لا تنافي بين المنطوقين في حدِّ ذاتيهما بل بين منطوق كل منهما ومفهوم الأخرى، فمقتضى منطوق صحيحة زرارة أن من يكون منزله دون الثمانية والأربعين ميلاً إلى مكة فلا متعة له ومقتضى مفهومها ــ المصرح به في الذيل أيضاً ــ هو أن من يكون منزله أبعد من تلك المسافة إلى مكة
[١] تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ج:٩ ص:٦٢ــ٦٣ (بتصرف يسير).