بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٥٦ - النصوص الواردة في تمييز الحاضر عن النائي
اللهم إلا أن يقال: إن القرينة عليه هي المقابلة بين صدر الرواية وذيلها لأنه ٧ قال [١] : ((كل من كان أهله دون ثمانية وأربعين ميلاً .. فهو ممن دخل في هذه الآية، وكل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة))، فإنه لو كان (دون) بمعناه المتداول اقتضى ذلك أن لا يستفاد من الرواية حكم من كان على رأس مسافة (٤٨) ميلاً، إذ يكون مقتضى الصدر بأن حكمه المتعة ومقتضى الذيل أن حكمه الإفراد أو القران لأن المشار إليه بلفظة (ذلك) هو المسافة المذكورة في الصدر، وهذا بخلاف ما إذا كان (دون) بمعنى (عند) إذ يكون مفاد الرواية عندئذٍ أن من يكون أهله على مسافة (٤٨) ميلاً وما دون ذلك يكون حكمه القِران والإفراد ومن يكون أهله وراء ذلك يكون حكمه المتعة.
ولكن قد يقال ــ كما سيأتي ــ: إن المشار إليه بلفظ (ذلك) هو المقدار المذكور في الصدر موضوعاً للقِران والإفراد لا الثمانية والأربعين ميلاً، وعلى ذلك يستفاد من الرواية حكم من يكون على رأس المسافة المذكورة وإن بني على كون (دون) بمعناه المتداول، مع أن عدم استفادة حكمه على هذا التقدير لا يشكّل قرينة موجبة لحمل (دون) عل معنى بعيد عن الأذهان.
وأما استشهاده (قدس سره) لمجيء (دون) بمعنى (عند) بقوله ٦ : ((من قبل دون ماله فهو شهيد)) فهو في غير محله، فإن (دون) فيه ليس بمعنى (عند)، بل معنى الرواية هو أن من جعل نفسه حائلاً بين اللص وبين ماله أي عرّض نفسه للقتل في سبيل أن لا ينال اللص ماله فهو شهيد، نظير ما ورد في زيارة عاشوراء: ((وثبّت لي قدم صدق عندك مع الحسين وأصحاب الحسين، الذين بذلوا مهجهم دون الحسين ٧ )) فإنه ليس المراد به الذين بذلوا مهجهم عند الحسين ٧ بل الذين جعلوها كالحائل بين الحسين ٧ وبين أعدائه فلم يصبه ٧ أذىً حتى استشهادهم.
والحاصل: أن المراد بما ورد في الصورة الأولى لرواية زرارة مردد بين الوجهين المتقدمين ولا قرينة على أي منهما.
[١] تهذيب الأحكام ج:٥ ص:٣٣.