بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٣٧ - في كيفية الجمع بين النصوص المتقدمة
مكة يتحقق منه الدخولان، ولكن ليس بمصداق واحد بل بمصداقين، كما لو دلَّ دليل على حرمة شرب الخمر وآخر على حرمة أكل الميتة فأكَلَ الميتة ثم شرب الخمر.
وبالجملة: إن النسبة بين العنوانين كانت في ما مضى هي التباين، فلا شيء من دخول الحرم يعدُّ دخولاً لمكة ولا شيء من دخول مكة يعدُّ دخولاً للحرم. وأما في العصر الحاضر حيث يمكن الصعود بالطائرة إلى أعالي الجو على ارتفاع آلاف الأقدام ثم النزول عمودياً في مكان آخر، فإذا فرض أن شخصاً ركب الطائرة في الحلِّ وصعد إلى أعالي الجو ثم هبط في مكة القديمة يكون دخوله في مكة مصداقاً لدخول الحرم ودخول مكة في آن واحد، لأن مروره على الحرم في أعالي الجو ليس دخولاً في الحرم، ولذلك لا يستشكل أحد في جواز المرور بالطائرة على الحرم ومكة عند الانتقال من بلد إلى بلد آخر لعدم صدق الدخول فيهما بذلك، فإن الفضاء البعيد جداً لا يكون تابعاً للأرض عرفاً بخلاف الفضاء القريب من الأرض فإنه تابع لها عند العرف.
هذا بناءً على كون النسبة بين الحرم ومكة هي العموم والخصوص المطلق حتى في العصر الحاضر.
وأما بناءً على كون النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه في هذا العصر من جهة أن المراد بمكة هو مسمى مكة في كل عصر وزمان لا خصوص مكة القديمة، فالنسبة بين دخول مكة ودخول الحرم كانت في ما مضى هي التباين لما تقدم، وأما في هذا الزمان فالنسبة بينهما هي العموم من وجه حتى مع غض النظر عن إمكان الصعود إلى أعالي الجو من الحلّ ثم النزول في القسم الواقع في الحرم من مكة المكرمة، حيث مرَّ آنفاً أنه يعدُّ دخولاً في الحرم وفي مكة معاً في وقت واحد، وذلك أنه إذا فُرض أن جزءاً من مكة الحديثة يقع على حافة الحرم فإن الدخول في مكة من ذلك الجزء يعدُّ مصداقاً لدخول الحرم ودخول مكة في وقت واحد، كما أن دخول ما يقع منها في الحلِّ يعدُّ دخولاً في مكة دون الحرم، ودخول ما يقع من الحرم خارج مكة دخولاً في الحرم دون مكة.