بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣١٩ - مقتضى الأصل العملي في مورد دوران الأمر بين التعيين والتخيير في مكان الإحرام
من جهة أن الإحرام من قبيل الالتزامات النفسية نظير النذر والعهد، ومرجعه إلى اعتبار الشخص نفسه محروماً مما يعرف بمحظورات الإحرام، ولذلك ورد في النص أنه يقول [١] : ((أحرم لك شعري وبشري ولحمي ودمي من النساء والطيب والثياب ..))، وهذا الالتزام النفسي يستتبع التنفيذ الشرعي واعتبار المكلف محروماً مما اعتبر نفسه محروماً منه، فهو بمثابة الموضوع للحكم الشرعي، فإذا شُك في أن الموضوع هل هو خصوص الالتزام الحاصل في أحد المواقيت أو الأعم منه ومن الحاصل في أدنى الحِلِّ ــ بالنسبة إلى العمرة المفردة ــ لم تجر أصالة البراءة، لأنها إنما تجري إذا كانت الخصوصية المشكوكة راجعة إلى متعلق التكليف لا موضوعه، وما نحن فيه من قبيل الثاني. وعليه يتعيّن الإحرام من الميقات بمقتضى الأصل.
أقول: إن عدم جريان أصالة البراءة في موضوعات الأحكام ــ وكذلك في متعلقات الأحكام التحريمية ــ وإن كان صحيحاً كما أوضحته في محل آخر [٢] ، ولكن يلاحظ على الوجه المذكور ..
أولاً: بأن كون الإحرام موضوعاً للحكم الشرعي لا يتوقف على الالتزام بكونه من قبيل الالتزامات النفسية دون مجرد النطق بالتلبية أو القيام بالإشعار أو التقليد بقصد أداء الحج أو العمرة، فإنه على كل تقدير يعدّ موضوعاً للأحكام الشرعية الخاصة فلا تترتب من دون إحراز تحققه.
وثانياً: أن الإحرام وإن كان موضوعاً لعدد من الأحكام إلا أنه في الوقت نفسه متعلق للحكم الشرعي بوجوب أداء الحج أو العمرة لفرض كونه جزءاً منهما، فلو شك في اعتبار الإتيان بإحرام العمرة في مكان معين وبُني على جريان البراءة في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في متعلق الحكم الوجوبي لم يكن مانع من جريانها والبناء على عدم اعتبار إيقاعه في ذلك المكان في براءة
[١] الكافي ج:٤ ص:٤٥٤.
[٢] لاحظ بحوث فقهية ص:٨٥.