بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥١٧ - الثاني رمي جمرة العقبة من قبل وجهها لا من أعلاها
جريان السيرة على عدم الالتزام باستدبار القبلة حين الرمي ـ حيث يقوم البعض برمي الجمرة من يمينها أو يسارها ـ ولو كان أمراً لازماً لظهر وبان، ولالتزم الحجاج به كما يلتزمون بجعل الكعبة على يسارهم حين الطواف حولها.
وبالجملة: لو كان ما ورد في صحيحة معاوية ناظراً إلى استقبال الجمار واستدبار القبلة لاتجه حمله على الاستحباب. ولكن الصحيح أنه ناظر إلى تحديد الجهة التي ترمى منها جمرة العقبة، كما تقدم توضيحه.
وعلى ذلك فإن بني على أنها كانت كغيرها من الجمار عموداً أو نحوه في عصر المعصومين : ـ كما ذهب إليه السيد الأستاذ (قدس سره) ومعظم المتأخرين ـ أمكن القول بأن المستفاد من الصحيحة هو عدم الاجتزاء برمي الجانب الخلفي منها الذي كان يقع من جهة ذلك الجبيل، فإن رميها من جهة وجهها وعدم رميها من أعلاها يقتضي أن ترمى من أمامها أو من أحد جانبيها دون الجهة الخلفية، ومن هنا لوحظ أن السلطة الحاكمة لما أزالت الجبيل الخلفي توسعة للحجاج أقامت جداراً ليكون مانعاً من رمي تلك الجهة رعاية للسنة، وإن قامت بإزالته أيضاً في وقت لاحق ليتمكن الحجاج ـ بعد تعاظم أعدادهم ـ من الرمي من جميع الجوانب، ثم عمدت إلى تغيير معالم المكان برمته قبل عدة أعوام.
والحاصل: أنه بناءً على كون الجمرة في زمن المعصومين : عموداً أو نحوه فمقتضى الصناعة عدم الاجتزاء برميها من الجهة الخلفية، ولهذا ذكر سيدي الأستاذ الوالد (دامت بركاته) في بعض أجوبة الاستفتاءات بأن (الأحوط لو لم يكن أقوى عدم الاجتزاء برمي الجانب الخلفي لجمرة العقبة بعد إزالة الجدار)، ولا يعرف وجه ظاهر لما ذكره بعض الأعلام[١]من أنه يصح رميها من جهاتها الأربع.
وأما إذا بني على أن الجمرة كانت موضعاً من الأرض في حضن ذلك الجبيل فلا موضوع للمنع من رميها من جهة خلفها، إذ ما يقابل الرمي من قبل وجهها بوقوف الرامي في الوادي هو الرمي من أعلاها بصعوده على الجبيل،
[١] مناسك الحج ص:٢٣٥.