بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٦٣ - هل يجب المبيت بالمزدلفة ليلة العيد؟
عن القيام به إلا ذوو الأعذار أو من يظهر عليهم التمرد والعصيان، فإنه إذا كان كذلك يمكن استكشاف تلقي الأمر الإلزامي به من جهة الشارع المقدس نظراً إلى أن الفعل المستحب مما لا يطبق الكل على الالتزام به بل يتخلف عن ذلك جمع عادة لدواع مختلفة.
الثاني: أن لا يكون ذلك الفعل مما يأتي به الناس بحسب طبيعتهم وإن لم يتعلق به أمر شرعي، نظير الإنفاق على الأهل والأولاد، ومن هنا تقدم أنه لا سبيل إلى الاستدلال على لزوم الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة مباشرة بجريان سيرة الحجاج على ذلك في عصر المعصومين : ، لأنه لم يكن أمامهم آنذاك طريق سالك من عرفات إلى المشعر إلا الطريق المباشر بينهما، ولم يكن الحال كما في زماننا هذا من إمكان الذهاب إلى مكة ثم التوجه إلى المشعر.
وبالجملة: استكشاف الوجوب من خلال السيرة العملية منوط بتوفر الشرطين المذكورين.
ويمكن أن يقال: إنه لم يتأكد توفر الشرط الأول في المقام، فإن المسلّم هو جريان سيرة معظم الحجاج على قضاء شطر كبير من ليلة العيد في المزدلفة متصلاً بالصباح، وأما إطباق الكل على ذلك ـ إلا المعذور والعاصي ـ فهو مما يصعب إحرازه بالنسبة إلى عصر المعصومين : .
وأما الشرط الثاني فيمكن أيضاً المناقشة في توفره في مفروض الكلام، لأنه لما كان الوقوف بعرفات ينتهي بغروب الشمس وعلى الحاج أن يقف في المزدلفة في ما بين الطلوعين، والذهاب قبل ذلك إلى مكان آخر كمكة المكرمة لم يكن متاحاً في ذلك العصر، كان من الطبيعي أن يتجه الحاج إلى المزدلفة بعد الغروب تمهيداً للإتيان بالوقوف الواجب فيها، إذ لا حاجة له عادة إلى التأخير طويلاً في عرفات.
وعلى ذلك فإن جريان سيرة الحجاج على المبيت في المزدلفة في شطر من ليلة العيد لا يمكن أن يعدّ دليلاً على وجوبه شرعاً.