بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٧٣ - الخامس وصولها إلى الجمرة بسبب الرمي لا الوضع أو غيره
وضع له، إذ يصلح صدور الرمي بمعنى الطرح والإلقاء من الحيوان المفترس، كأن يطرح تراباً بظهر اليد أو يلقي حجراً به أو برجله مثلاً. فلِم يحمل عرفاً على الشجاع مع صلوح صدور الرمي منه؟! وليس ذلك إلا لقوة ظهور الرمي في رمي النبل، ويستعمل في غيره مجازاً أو مع القرينة المعينة وحدها بناءً على أن يكون حقيقة في الجميع، ولكن كان ظهوره في ما ذكر أقوى).
ثم قال (قدس سره) : (فإذا لاح لك أن الظهور الأولي للرمي إنما هو في رمي النبل فلا بد من التجوز في مثل المقام، إذ ليس في رمي الجمرة رمي للنبل ضرورة، ولما لزم ارتكابه ـ أي التجوز ـ يلزم الاقتصار على أقرب المجاز، وهو غمض العين عن المرمي، حيث يكون في المقام حصى لا نبل، وأما كيفية الرمي فلا مجال لغمض العين عنها، فحينئذٍ يحكم بلزوم كون رمي الحصى على كيفية الرمي المتبادر وإن اختلف المرمي، فيلزم جعل اليد كالسهم[١]وإخراج الحصى منه كإخراج النبل منه قسراً وشدة كما هناك. نعم لا يلزم كونه بإصبع دون إصبع، بل يجزي مطلق ما يكون كإخراج النبل عن السهم(١» .
ولكن هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه بوجه، فإنه لا ينبغي الشك في عدم الفرق في صدق الرمي حقيقة بين كون أداته نبلاً وكونها أداة أخرى، ولا سيما الحجر الذي يمكن أن يدعى: أن استخدام الإنسان له أداة للرمي أسبق بكثير من استخدامه للنبل ونحوه.
وأما ما استشهد به (طاب ثراه) على كون الظهور الأولي للرمي في رمي النبل وهو قولهم: (رأيت أسداً يرمي) فليس بتام، فإن الرمي كما ظهر مما تقدم يأتي تارة بمعنى استهداف شيء بإطلاق نبل أو حجر أو غيرهما باتجاهه، وأخرى بمعنى إلقاء الشيء كالطعام أو الحجر أو غيرهما، وهو الذي ذكره الجوهري[٢]بقوله: (رميت الشيء من يدي، أي القيته)، ولفظ (يرمي) في قولهم:
[١] كذا في المصدر، والصحيح: (القوس)، فإن السهم واحد من النبل (يلاحظ العين ج:٤ ص:١١، والمحيط في اللغة ج:٣ ص:٤١٨، والمصباح المنير ج:٢ ص:٢٩٣).
[٢] الصحاح ج:٦ ص:٢٣٦٢.