بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٧٤ - الخامس وصولها إلى الجمرة بسبب الرمي لا الوضع أو غيره
(رأيت أسداً يرمي) إنما هو من الرمي بالمعنى الأول ـ الذي مرّ أنه أعم من أن تكون أداته نبلاً أو حجراً أو غيرهما ـ فيصلح أن يكون قرينة على أن المراد بالأسد هو الرجل الشجاع، لأن الرمي بذلك المعنى لا يقع ـ عادة ـ من الحيوان المفترس، وأما عدم كونه من الرمي بالمعنى الثاني فلأنه لو كان هو المقصود بالرمي لكان ينبغي أن يذكر متعلقه كأن يقال: (رأيت أسداً يرمي بشبله من التل) أو نحو ذلك، وإلا تكون الجملة غير تامة المعنى.
وأما ما ذكره (قدس سره) من أن الرمي في قوله تعالى: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ) بمعنى الطرح فليس بذلك الوضوح، فإنه قد اختلف المفسرون في شأن نزول هذه الآية الكريمة.
قال الشيخ (قدس سره) [١]: (ذكر جماعة من المفسرين كابن عباس وغيره: أن النبي ٦ أخذ كفاً من الحصباء فرماها في وجوههم، وقال: «شاهت الوجوه» فقسمها الله تعالى على أبصارهم وشغلهم بأنفسهم حتى غلبهم المسلمون وقتلوهم كل مقتل. وقال بعضهم: أراد بذلك رمي النبي ٦ أبي أمية بن الخلف الجمحي يوم أحد فأصابه فقتله. وقال آخرون: أراد بذلك رمية سهمه يوم خيبر فأصاب ابن أبي الحقيق في فراشة رأسه فقتله. والأول أشهر الأقوال).
فيلاحظ أن هناك عدة أقوال في شأن نزول الآية المذكورة، وما ذكره (قدس سره) ربما يناسب القول الأول، وهو وإن كان أشهر ـ كما قال الشيخ (قدس سره) ـ ويؤيده بعض الروايات المرسلة[٢]، إلا أنه ليس متعيناً ولا يمكن البناء عليه.
وأما ذكره (قدس سره) من أن الرمي في قوله تعالى: (تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) كان بنحو الإلقاء من فوق فهو وإن كان صحيحاً ولكنه لا ينافي أن يكون من الرمي بالمعنى الأول ـ فإن الرامي إذا كان فوق الهدف يصدق الرمي باستهدافه ولو بإلقاء الحجر عليه ـ بل يتعين أن يكون بذلك المعنى بقرينة قوله: (ترميهم)، حـيث جـعل أبرهة وجيشه متعلقاً للرمي، ولو كان بمعنى الإلقاء لكان
[١] التبيان في تفسير القرآن ج:٥ ص:٩٣.
[٢] تفسير العياشي ج:٢ ص:٥٢.