بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٥٦ - حكم ما إذا ضاقت المزدلفة عن استيعاب جميع الحجاج
«يرتفعون إلى المأزمين» مسوقين للترخيص في الخروج عن الحدين المذكورين، إذ الانتهاء إليهما كان جائزاً ولو من دون حصول الزحام.
وأما استخدام (إلى) بدلاً عن (على) فالوجه فيه أن الارتفاع هنا ليس بمعنى العلو بل بمعنى التقدم، قال الزمخشري[١]: (يقال للداخل: (ارتفع إليّ) تقدم، ومنه قول النابغة:
خَلَّتْ سَبِيلَ أَتِيٍّ كان يَحْبِسُه * * * ورفَّعَتْه إِلى السَّجْفَيْنِ فالنَّضَدِ
أي: قدمته).
وحكى الأزهري[٢]عن يعقوب بن السكيت أنه قال في قول النابغة: (هو من قولك: (ارتفع إليّ) أي تقدم. وقال: (ارفعه إلى الحاكم) أي قدّمه، وليس من الارتفاع الذي هو بمعنى العلو).
وهذا متداول في باب القضاء في كلمات الفقهاء، كقولهم[٣]: (إذا ارتفع إلى القاضي خصمان) أي تقدما إليه، وقولهم: (لو ارتفع مسلم وذمي وجب الحكم بينهما) أي لو تقدما إلى القاضي.
نعم ذكر الزبيدي[٤]: إنه (يقال للداخل: ارتفع أي تقدم، وهو مجاز، وليس من الارتفاع الذي هو بمعنى العلو).
ولو صح ما ذكره من أن الارتفاع بمعنى التقدم مجاز، فإن القرينة عليه في المقام قائمة، وهي عدم كون وادي محسّر مرتفعاً بالقياس إلى منى، بل وعدم كون المأزمين مرتفعين بالنسبة إلى المزدلفة، فليتدبر.
وبالجملة: لا ينبغي الإشكال في أن قوله ٧ : «يرتفعون» في موثقة سماعة إنما هو بمعنى (يتقدمون)، ولذلك يمكن أن يقال: إن مقتضاه هو أنه عند ضيق منى عن استيعاب جميع الحجاج ليس لمن لا تستوعبهم أن يذهب إلى آخر وادي محسّر بل عليهم التقدم من منى باتجاه هذا الوادي شيئاً فشيئاً حسب ما
[١] أساس البلاغة ج:١ ص:٣٥٥.
[٢] تهذيب اللغة ج:٢ ص:٢١٧.
[٣] الخلاف ج:٦ ص:٢٢٢. قواعد الأحكام ج:٣ ص:٣٩.
[٤] تاج العروس ج:١١ ص:١٧١.