بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤٥١ - لزوم الاحتياط برمي الموضع الخاص والبناء القائم جميعاً
المورد في دوران الأمر بين المتباينين فلا محيص من الاحتياط بتكرار الرمي، ولا مجال للاقتصار على رمي البناء وإن كانت الحصاة تقع في الموضع[١].
هذا وفي ضوء ما تقدم كله يمكن القول بأن الاقتصار في رمي الجمار على رمي البناء خلاف مقتضى الصناعة، لأنه مبني على أحد أمور: إما ثبوت أن الجمرة كانت في عصر المعصومين : بناءً، أو ثبوت كفاية رمي غير الموضع إذا كانت الحصاة تقع في الموضع بناءً على كونه ـ أي الموضع ـ هو الجمرة، أو اندراج المقام في دوران الأمر بين التعيين والتخيير مع البناء فيه على جريان أصالة البراءة عن التعيين.
والأمور الثلاثة غير تامة ..
أما الأمر الأول فهو غير واضح، إذ ليس عليه شاهد يعتد به، في مقابل بعض ما استشهد به للاحتمال الآخر.
وأما الأمر الثاني فقد مرّ آنفاً أنه خالٍ من الدليل.
[١] قد يقال: إنه بناءً على التوقف في كون الجمرة اسماً للبناء أو الموضع في عصر المعصومين : لا حاجة إلى تكرار الرمي تحقيقاً للاحتياط الموجب لفراغ الذمة، بل إذا علم أنه لو رمى البناء فإن الحصاة سترتد وتصيب في الأسفل موضعاً حواليه يمكنه أن ينوي برميه ما هو الواجب عليه في علم الله تعالى من إصابة البناء على تقدير كونه هو الجمرة، أو إصابة الموضع على تقدير أن يكون هو الجمرة، فيتيقن بفراغ الذمة من الرمي الواجب.
ولكن هذا الكلام لا يمكن المساعدة عليه، فإن المستفاد من الأمر برمي الجمرة اعتبار استهدافها بنفسها بالحصاة، فلا يكفي استهداف شيء آخر من شاخص أو جمل أو إنسان أو غيرها وإن كان يعلم أنها ستصيب الجمرة بارتدادها إليها.
والوجه فيه: أن المنساق من قولهم: (رمى كذا بالحجر أو النبل أو الرصاص أو غير ذلك) هو إطلاق الحجر ـ مثلاً ـ نحوه مباشرة، ولا يشمل ما إذا تم إطلاقه نحو شيء آخر وإن كان يصيبه في النهاية نتيجة لارتداده عند إصابته لذلك الشيء، فإنه يقال عندئذٍ: (رمى الشجرة ـ مثلاً ـ بالحجر فوقع على فلان)، ولا يقال: (رمى فلاناً بالحجر) إلا بضرب من العناية حتى لو كان يعلم مسبقاً بوقوعه عليه وقصد ذلك، نعم يقال: (أصاب فلاناً حجر) ولكن العبرة هنا بصدق رمي الجمرة ولا تكفي إصابتها، وسيأتي أنه لا يضر بصدق رميها أن يمرّ الحجر في طريقه إليها بشيء آخر إذا لم يكن وصوله إليها من جهة ارتداده إليها بعد إصابته بذلك الشيء.
والحاصل: أن مقتضى الاحتياط هو تكرار الرمي برمي البناء مرة ورمي الموضع مرة أخرى.